.
.
.
.

العراق رابع دولة تحرق الغاز

وليد خدوري

نشر في: آخر تحديث:

تدل الإحصاءات المتوافرة لعام 2015 على ان العراق ينتج نحو 1.86 بليون قدم مكعبة يومياً من الغاز المصاحب للنفط، لكن نحو 1.3 بليون قدم مكعبة منها تُحرق يومياً لعدم توافر منشآت المعالجة اللازمة لاستغلال الغاز واستعماله في مجالات عديدة مثل توليد الكهرباء وكوقود لمصانع الإسمنت والأسمدة والبتروكيماويات، وإعادة الضخ في الآبار النفطية لزيادة طاقتها الإنتاجية، ناهيك عن إمكانية إيصاله مباشرة إلى الأحياء السكنية بدلاً من الاستمرار في استعمال القوارير، أو استعماله في مركبات المواصلات العامة. فالفائدة من مجمل هذه الاستعمالات المنتشرة حول العالم، هو الاستغلال الاقتصادي للوقود بدلاً من حرقه، وتقليص نسبة التلوث المناخي، وإفساح المجال لتصدير كميات اكبر من النفط الخام، بدلاً من استعمالها محلياً وخسارة قيمة الصادرات.

ويؤدي هذا الحرق للغاز المصاحب إلى عدد من الخسائر الفادحة للبلاد، من تلوث الجو، حيث يعتبر العراق رابع أكثر دولة تحرق الغاز في العالم حسب إحصاءات عام 2011، وبما ان الوقود المحروق هو الغاز المصاحب لإنتاج النفط، وبما ان إنتاج النفط الخام العراقي في ازدياد، فمعنى ذلك ان كمية الوقود المحروق حالياً هي أعلى منها عام 2011. وإضافة إلى التلوث المناخي، هناك أيضاً خسارة مالية عالية تقدر بنحو 70 - 100 بليون دولار خلال 2015 - 2020 أو النصف الثاني من هذا العقد، بحسب الخبير النفطي العراقي سعدالله فتحي.

ويؤدي حرق الغاز إلى ضياع الفرصة الاقتصادية لتغذية محطات الكهرباء، حيث لا تزال الطاقة الكهربائية تنقطع ساعات كثيرة يومياً في مختلف أنحاء العراق لنقص الوقود واستعمال النفط الخام أو المنتجات البترولية بدلاً عن ذلك، ما يعني ضياع ثروة اقتصادية ضخمة وأعباء مستمرة للمواطنين.

يُذكر ان السلطات البترولية العراقية تعترف علناً بالوضع المأسوي لصناعة الغاز في البلاد إذ تشير الورقة التي أعدتها وزارة النفط وقدمتها في مؤتمر الطاقة العربي العاشر الذي انعقد في أبو ظبي خلال 21 - 23 كانون الأول (ديسمبر) 2014، إلى الآتي: «يهيمن الغاز المصاحب على إنتاج العراق من الغاز، لذلك مر إنتاج الغاز بالتقلبات نفسها التي شهدها إنتاج النفط تاريخياً. وكان يُحرق كثير من هذا الغاز. وبدأ العراق بالاستثمار على نطاق واسع في منشآت معالجة الغاز فقط في الثمانينات ولم تواكب صيانة هذه المرافق وتوسيعها حجم الإنتاج».

وأضافت: «في حزيران (يونيو) 2012، أنتِج بليونا متر مكعب من الغاز، وجاء نحو 55 في المئة من هذه الكمية من حقول النفط الجنوبية، لكننا نقدر ان أكثر من نصف الغاز المنتج جرى إحراقه (بدلاً من تسويقه واستهلاكه بصورة مثمرة) نظراً إلى عدم وجود القدرة على معالجة الغاز. ويتماشى هذا التقدير الشهري مع تقديراتنا لعام 2011 حيث بلغ إجمالي الإنتاج نحو 20 بليون متر مكعب جرى إحراق نحو 12 بليون متر مكعب منه. ان إحراق الغاز فيه كثير من الإهدار إذا أخذنا في الاعتبار استمرار العجز في إمدادات الكهرباء في العراق وآثاره البيئية المدمرة. وبالتالي، فان إقامة مرافق جمع الغاز ومعالجته وتطوير شبكة لنقل الغاز وتشغيل محطات الكهرباء التي تعمل بالغاز تعد من الأولويات الملحة للسلطات».

وأشار التقرير إلى استثمار الدولة خلال الثمانينات في منشآت لمعالجة الغاز «على نطاق واسع». لكن أين هذه المنشآت وماذا حصل لها؟ لقد دُمِّر الجزء الأكبر منها خلال حروب العقود القريبة الماضية. وهناك مشاريع متعاقد عليها لتطوير حقلين للغاز الحر، «المنصورية» في محافظة ديالى (شرق العراق) و«عكاز» في محافظة الأنبار (غرب العراق). لكن التقارير الصحافية تشير إلى تأجيل العمل في هذين الحقلين، لأنهما يقعان في مناطق قريبة من المعارك ضد «داعش». ويُذكر ان العمل في خط استيراد الغاز الإيراني تأخر أيضاً، لأن الجزء المتبقي منه يمتد في محافظة ديالى داخل الأراضي التي تسيطر عليها «داعش». ووفق اتفاق موقع عام 2012، تعهدت إيران تصدير الغاز للعراق عبر خط أنابيب يغذي ثلاث محطات لتوليد الكهرباء في العراق. وهناك محادثات أيضاً لإنشاء خط أنابيب آخر يتوجه إلى البصرة. ووافق العراق مبدئياً في عهد رئيس الوزراء نوري المالكي عام 2013 على تشييد خط أنابيب للغاز الطبيعي الإيراني بقيمة 10 بلايين دولار يمر عبر أراضيه لتزويد حليفة إيران الرئيسة، سورية.

لماذا هذا التخلف الفاضح في معالجة الغاز المصاحب في العراق، مقارنة بما أنجزته الدول البترولية المجاورة من شبكات لمعالجة الغاز ونقله؟ الإجابة واضحة وهي فقدان الأمن والاستقرار، إذ أصبحت الحروب والاحتلالات والنفوذ الأجنبي هي المتحكمة الرئيسة والفاعلة في سياسات البلاد، ناهيك عن ثقافة الفساد، إذ ان لدى رئيس وزراء سابق رصيداً في مصرف سويسري بـ1.2 بليون دولار، وفق تسريبات موظف في المصرف نشرتها الصحف.

عبر وزير النفط عادل عبدالمهدي عن طموحات الاقتصاديين والنفطيين العراقيين في بيان صحافي أصدره بعد توليه مهام منصبه هذا العام بقوله «ان العراق في حاجة إلى سياسة قومية لاستنهاض الطاقات لتحويل النفط والغاز إلى محرك للتنمية الاقتصادية المستدامة وليس إلى مصدر وحيد لاقتصاداتنا». هذه حقيقة طالما تراود أحلام المتخصصين. والتمنيات هي ان تستقر البلاد كي تسنح الفرصة للدفع بالسياسة البترولية قدماً كي تتطور وتردف بقية القطاعات الاقتصادية، بدلاً من الاستمرار في تشييد الأسس الأولى لهذه الصناعة من دون جدوى، ويجب خصوصاً العمل لمعالجة الغاز المصاحب وعدم ترك نصفه تقريباً يحترق. هذا في وقت تنفق دول أخرى بلايين الدولارات لاكتشاف الغاز والاستفادة منه. هذه حال عقيمة لا يمكن إلا ان تؤدي إلى الخراب الحاصل الآن.

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.