.
.
.
.

هل يتبنى المجلس الاقتصادي هذا البديل للإسكان؟

سليمان بن عبد الله الرويشد

نشر في: آخر تحديث:

بالرغم من عدم القناعة بمحاولة تعميم التصور السائد لدي كثير من الناس، عن النسبة العالية لقيمة الأرض في التكلفة الإجمالية للوحدة السكنية، وأنها ظاهرة منتشرة في كافة المدن بالمملكة على حد سواء دون تفريق فيما بينها، أو حتى ربط تلك النسبة بنوع الوحدة السكنية المقامة على تلك الأرض، فيلات كانت أو شققاً سكنية، وتكرار البعض دوماً بأنها تتجاوز الخمسين في المئة، والبعض الآخر يوصل تلك النسبة إلى سبعين في المئة، بما يستنتج منه على الفور أن تكلفة المنشأة السكنية ذاتها لا تتجاوز وفقاً لتلك النسبة التقديرية الثلاثين أو الخمسين في المئة، فإني ولغرض مناقشة هذا الجانب تحديداً من مشكلة الإسكان لدينا في المملكة، سأقبل بالاستناد إلى صحة هذا التعميم، لغرض الوصول إلى بدائل يمكن أن تضع الحلول العملية العاجلة لهذه المعضلة التي استعصى حلها.

كما يعلم الجميع أنه تم طرح العديد من المقترحات، وجرى تبني بعض الحلول، لمعالجة مشكلة النسبة العالية لقيمة الأرض في تكلفة الوحدة السكنية، وذلك على مدى السنوات التي أخذت فيها مشكلة الإسكان بالتأزم، تراوح المدى الأقصى لكل من تلك المقترحات والحلول في معالجة المشكلة، ما بين السعي لاستصدار قرار بفرض رسوم على الأراضي غير المطورة، لم ينل المجتمع منه سوى إثارة مزيد من الجدل حول هذا الموضوع، الذي لم تتوقف وتيرته إلى اليوم، وتبني فكرة تطوير أراض حكومية بشبكة المرافق والخدمات العامة وتوفيرها للمواطنين مجاناً أو بقيمة التكلفة، التي ربما أدركت وزارة الإسكان بعد تطبيقها لهذه الفكرة في الوقت الحاضر، أو ستدرك لاحقاً، كم من الصعوبة الاستمرار في تبنيها، وفقاً للنهج الذي تسير عليه، إن لم تكن استحالة مواصلة تحمل عبء تكاليفها الباهظة.

ما أود طرحه من بديل آخر متاح في هذا الشأن، ليس بجديد في مفهومه، بل هو قائم وممارس، ولكن في خضم ما يمتلأ به أفق الرؤية لدينا من مقترحات وأفكار عديدة تطرح لمعالجة جوانب هذه المشكلة، لم تشأ الظروف أن يتم الالتفات إليه، والتأمل فيما ينطوي عليه من إيجابيات، وبحث إمكانية تطبيقه في مجال الإسكان، هذا البديل الذي أتمنى أن يتم تبنيه، قائم على فكرة الانتفاع بالأرض دون الحاجة أو الضرورة لامتلاكها، فهو بديل يجري التعامل بموجبه على أكثر من صعيد، وضمن أكثر من قطاع، ومن الأمثلة التي تجسده بصورة حية هو ما توفره الدولة من أراض لمنشآت أجهزتها الحكومية، سواء كانت صحية أو تعليمية أو إدارية أو خلافها، حيث تتيح الدولة لتلك الأجهزة إمكانية الاستفادة من الأراضي التي تخصص لاستخداماتها دون الحاجة لإعطائها حق الامتلاك المطلق لتلك الأراضي، كما نراه كذلك في ما يوفر من أراض حكومية للأنشطة الصناعية في المناطق التي تخصص لهذا الغرض، مزودة بشبكة المرافق والخدمات العامة، إلا أنها في هذا النموذج، يتم تأجيرها على المستثمرين الصناعيين بأسعار رمزية، لتقام عليها منشآت عائدة لهؤلاء المستثمرين، تقدر قيمتها في الوقت الحاضر بنحو التريليون ريال، أي ما يعادل تقريباً قيمة كافة الوحدات السكنية لدينا في المملكة، دون الحاجة لامتلاك المستثمرين الصناعيين لمتر واحد من تلك الأراضي الصناعية المقامة عليها منشآتهم..! بل نشاهده أيضاً في واحد من أفضل الأحياء السكنية بمدننا وهو حي السفارات في العاصمة الرياض، الذي تتاح فيه بعض الأراضي السكنية لتستثمرها المؤسسات العقارية بعقود تأجير طويلة المدى، فلماذا لا يتم تبني ذات البديل في مخططات أراضي وزارة الإسكان المتوفرة لديها حالياً، الكافية لاستيعاب أكثر من نصف عدد الوحدات السكنية القائمة في مدننا، وإتاحتها للراغبين من المواطنين المستحقين الذين لا يملكون مساكن، بعد توفير شبكة المرافق العامة في تلك المخططات من قبل القطاع الخاص، مقابل عوائد الاستثمار طويلة الأجل المتعددة الأوجه في عناصر تلك المخططات، ليتمكنوا من بناء مساكنهم عليها إن كانوا أفراداً، أو مشاريعهم الاستثمارية السكنية إن كانوا شركات أو مؤسسات، دون حاجتهم أو اضطرارهم لتحمل تكاليف الأرض، وبقائها حكومية مخصصة لهذا الغرض فقط، فهذا البديل لا يعد حلاً جذرياً فقط لمشكلة توفير الأرض السكنية للمحتاجين إليها من المواطنين، بل ينطوي أيضاً على أبعاد تنموية، فهو بالإضافة إلى أنه سيقلل من تكاليف المعيشة لشريحة من المواطنين، الذي يعتبر امتلاك أو استئجار مسكن رقماً أساسياً في هذه التكاليف، سيؤدي تلقائياً إلى خفض أسعار الأراضي والمضاربة فيها بوجه عام، وسيتيح فرص استثمار مجدية للقطاع الخاص في بناء المساكن، وسيوفر على خزينة الدولة تكاليف التطوير لتلك الأراضي بشبكة المرافق العامة، وسيجعل قرض التمويل الحالي، الحكومي أو البنكي، كافٍ لحصول أكثر من أسرة على مسكن بموجب هذا البديل، بل ربما يمتد تأثيره ليوقف أي مبرر للتعدي على الأراضي الحكومية وتكوين أحياء عشوائية تحت ذريعة الحاجة للسكن؛ فهل يتبنى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية هذا البديل الذي يجمع بين ميزة الحل الاقتصادي والتنموي لمشكلة الإسكان في المملكة؟.

* نقلا عن صحيفة " الرياض "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.