.
.
.
.

جمعية الإعلام البترولي الخليجية

فضل بن سعد البوعينين

نشر في: آخر تحديث:

ليس هناك أكثر حساسية من أسواق النفط، في تأثرها بالتصريحات الرسمية، والتقارير المتخصصة ذات العلاقة بالصناعة النفطية، وبخاصة الأسعار، الإنتاج، الوفرة وحجم الطلب العالمي. تصريح إعلامي واحد قد يتسبب في رفع أسعار النفط، أو يهوي بها إلى القاع. هذا خلاف ما تحدثه التقارير التحليلية والتصريحات الإعلامية من أثر مباشر على الاقتصاديات والسياسات المختلفة.

لم تعد صناعة الإعلام رهينة آلياتها التقليدية، بل أصبحت ذات كفاءة واحترافية عالية؛ ما يجعلها من أدوات الضغط والتأثير. قدرة وسائل الإعلام الاستثنائية في إحداث الأثر الأكبر على المتلقين جعلتها من أدوات صناعة الأحداث وتوجيهها تحقيقاً للمصالح الخاصة والعامة، وبخاصة في الأسواق المالية وأسواق النفط، الأكثر حساسية تجاه مخرجات الإعلام.

أوضاع النفط الاستثنائية خلال الأشهر الستة الماضية جعلت وزير البترول والثروة المعدنية، المهندس علي النعيمي، أكثر انفتاحاً على الإعلام، وهو مَن يصنف ضمن المتحفظين إعلامياً. محاولة الإعلام والمؤسسات والهيئات الغربية إلصاق تداعيات أسواق النفط وتدهور الأسعار بدول أوبك، وربطها بـ(مؤامرة) سعودية أمريكية ضد روسيا وإيران، حملت الوزير النعيمي على مواجهة الإعلام الغربي والعربي بشكل دائم، وبموضوعية وشفافية مطلقة، تعتمد الحقائق قاعدة لها، حتى ظَنَنت أن الوزير النعيمي بات وزيراً لإعلام «أوبك» ومنتجي النفط في العالم. واجه النعيمي ضغوطاً إعلامية غير مسبوقة، وأصبح محور اهتمام الإعلام الذي تجاوز جميع وزراء أوبك، وأمين المنظمة، وارتبط به بشكل مباشر.

وبالرغم من الشفافية والوضوح وسيل التصريحات الصحفية المتكررة، وصل النعيمي إلى قناعة تامة بأن ما قاله لم يحقق الهدف، وهو ما أكده في تصريحاته يوم أمس الأول حين قال: «لا توجد مؤامرة. كل الكلام الذي قيل حاولنا أن نصححه، لكن لا آذان صاغية، ولا حياة لمن تنادي». عزاء الوزير النعيمي أنه أوصل الرسالة النقية الواضحة للمتلقين، الذين لم يرغبوا يوماً في الحصول على الحقيقة التي يعرفونها استباقاً، بقدر إصرارهم على تمرير رسائلهم الإعلامية النفطية المشوهة للعالم أجمع. وهنا تظهر قوة الإعلام في صناعة الأحداث، وقدرته على تهميش الحقائق، وترسيخ الادعاءات الكاذبة، متى أراد. قوة الإعلام الناعمة أكثر تدميراً من القوة العسكرية، خاصة أنها تطول الجوانب السياسية، المجتمعية، العسكرية والاقتصادية.

«ملتقى الإعلام البترولي الثاني لدول مجلس التعاون الخليجي» سلَّط الضوء على أهمية الإعلامي المتخصص، الذي أجزم بأنه في حاجة دائمة إلى الفكر والكفاءة والتأهيل ومصادر المعلومات الدائمة والنقية، إضافة إلى ارتباطه الدائم باجتماعات أوبك، والمؤتمرات البترولية. قد يكون الملتقى اعترافاً بأهمية وجود الإعلامي المتخصص إلا أنه يشكّل في بعض جوانبه إدانة للدول الخليجية على تقصيرها في دعم الكفاءات وتأهيلها ورعايتها وجعلها دائماً في محور الأحداث البترولية، إضافة إلى تقصيرها في إنشاء مراكز البحث المتخصص، ومراكز الإعلام العالمية التي يمكن أن تكون من أدواتها المؤثرة في توجيه الرأي، وتحقيق مصالحها الخاصة، والدفاع عنها بشكل علمي ومنهجي.

المهندس علي النعيمي اقترح «إنشاء جمعية تخصصية للإعلام البترولي، تضم الإعلاميين الخليجيين والعرب المختصين في شؤون الطاقة»، وأكد استعداد المملكة «دعم إنشائها من أجل أن تسهم في زيادة الشفافية لدول الخليج، وصنع استراتيجية السياسات البترولية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية». اقتراح متميز - ولا شك -، وأرجو أن يتم التعامل معه بجدية واحترافية لضمان تفعيله وتنفيذه على أرض الواقع. قيادة وزارة البترول السعودية لمشروع الجمعية ستضمن له النجاح - بإذن الله -، خاصة مع وجود الكفاءات السعودية المتخصصة الباحثة عن الدعم والاحتضان. متى عُقدت الشراكة المهنية المحترفة بين الجمعيات المتخصصة والوزارات والهيئات ذات العلاقة يصبح النجاح حليفهم - بإذن الله -؛ لذا أقترح أن يُكمل الوزير علي النعيمي اقتراحه بخطوات عملية، تضمن تنفيذ المشروع في أسرع وقت، ووفق المعايير العلمية والمهنية، وهو أمر يمكن تحقيقه بسهولة مع الإمكانيات الإدارية، القانونية، المهنية والمالية الضخمة المتاحة لوزارة البترول والثروة المعدنية، ووجود الكفاءات السعودية الطموحة لتحقيق هذا الهدف.

* نقلا عن صحيفة " الجزيرة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.