.
.
.
.

الإسكان .. هل نستطيع تكوين رؤية؟

فواز بن حمد الفواز

نشر في: آخر تحديث:

امتدادا لدولة الرفاه جزئيا والمسؤولية العامة جزئيا، اهتمت الحكومة بمرفق السكن خاصة بعد ما أسست هيئة الإسكان ثم رفعت من شأن الموضوع بجعله وزارة. الجهود الحكومية سبقت هذا التطور، ولكن وجود وزارة أشعل الحاجة إلى استحضار رؤية وسياسة عامة وبرامج عملية. الحلول الجزئية السابقة أعفتنا من وجود رؤية ولو لزمن ولكن الوزارة تعبير قوي عن رغبة الحكومة بتسهيل السكن أحيانا وتوفيره أحيانا "الفرق بينهما مهم لأنه مصدر للجدل حول طبيعة خيارات وآفاق السياسة العامة". الوزارة ركزت الأذهان لإيجاد حلول عملية تجمع بين المدى القصير والمدى البعيد من ناحية وبين توفير السكن للمحتاج وإيجاد منظومة قادرة على تجسيد "صناعة" سكن قابلة للاستدامة اقتصاديا.

التحدي أن نصل إلى رؤية وسياسة عامة وبرامج محددة قادرة على التعامل مع هذه الأبعاد والتعامل معها عمليا وبالسرعة التي يطلبها مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. هناك رغبة حكومية واضحة على الرغم من أن "خدمة" السكن لم تذكر نصا في نظام الحكم الأساسي، بينما ذكر الصحة والتعليم كمسؤولية مباشرة.

قبل الدخول في رؤية دعنا نستعرض الحالة اليوم. لدى الحكومة الرغبة والمال والتوجه، ولذلك فإن الحلول القصيرة الأجل ممكنة خاصة أنه يصعب أن نصف الحالة بالإشكالية. فالمؤشرات الاقتصادية الماثلة تقول إن نسبة ارتفاع الإيجارات توقف إن لم يواجه ضغوطا نحو النزول بعد ما استجاب القطاع الخاص للفجوة بين العرض والطلب "أتت الفجوة وقتيا بسبب تنامي المصروفات العامة من 2005 وحتى 2014، حيث إن العرض أخذ وقتا للتأكد من استمرار الطلب"، كما أن هناك عرضا يبحث عن طلب حاليا، فعلى الرغم من استقرار دخل المواطنين إلا أن مؤشرات تداول العقار في انخفاض منذ 2012 بل قد يكون القطاع الخاص بالغ في قراءة الطلب إجمالا، من ناحية تفصيلية هناك دائما اختلاف وخلاف. اختلاف بسبب قلة دخل جزء مؤثر من العامة، حيث لا يرتقي للتملك في المدن الكبيرة خاصة. كما أن تكاليف السكن تختلف حتى في المدينة الواحدة لأسباب موضوعية وهناك هجرة للمدن "قد يكون انخفاضها حديثا أحد أسباب الفجوة بين العرض والطلب" وأحيانا داخل المدن، فمثلا هناك توجه في الرياض للشمال، وهناك تحولات مشابهة في جميع المدن للحصول على سكن أكثر تأهيلا. وهناك خلاف حول حجم المشكلة أو إن كان هناك مشكلة في الأساس.

بعض هذه الجزيئات المهمة عارض وبعضها هيكلي بسبب عدم وجود منظومة سياسة عامة ولمدة ليست قصيرة، فمثلا تجد من ينتقل من حي متكامل الخدمات إلى حي أقل خدمات عامة مما يزيد التكلفة المجتمعية. من هذه الجزئيات التي تشوه التوازن بين العرض والطلب وجود أعداد كبيرة من الوافدين كنسبة من السكان وما يحمل ذلك من تداعيات على تركيبة سوق السكن. بعض الجزيئات فني بطبعها ولكنها جوهرية إذا أخذ السكن كصناعة في تواز مع التنمية مثل العزل في المنازل. أخيرا، السكن في غالبه يقع على القطاع الخاص، ولكن دور الحكومة تنظيمي لصناعة القطاع العام له دور كبير فيها وتأسيس منظومة مالية محكمة ضروري لكي يعمل القطاع الخاص بطريقة تكاملية ومحددة الأدوار. يكون الحل تكامليا حين تكون العلاقة بين الطلب "المواطن" والعرض "دور المطورين" في نسق مع الدورة المالية.

ما الحل؟

حجم صناعة السكن كبير وأهميته للكل معروفة. في نظري أكثر من نصف الحل أن نتفادى الحلول الخطأ بسبب الضغوط أيا كان مصدرها. أحد الحلول الخطأ هو تكاثر مشاريع السكن العامة وخاصة تلك المباشرة من قبل الوزارة التي أثبتت التجارب في الدول النامية والمتقدمة محدودية جدواها لأسباب اجتماعية واقتصادية. حل خاطئ آخر أن نفرق قسريا بين التطوير العمراني والمدني والمنظومة المالية المتكاملة ومسألة إدارة مرفق الأراضي، يأخذ هذا الركن المهم عدة زوايا، أولها فرز علاقة واضحة بين التطوير والإنشاء اقتصاديا وتنظيميا، إدارة مرفق الأراضي باحترافية شمولية وجعله أحد مصادر التمويل للأمانات والبلديات من خلال رسم ـــ استفادة تكلفة السكن من الرسم على الأراضي عارضة ولكنها مهمة جدا. الزاوية الثالثة ألا نخضع للضغط الإعلامي الشعبي بتقديم حلول قصيرة الأجل في تناقض مع الحلول طويلة الأجل، فمثلا إذا اخترنا أن يكون هناك حل سريع فمن الأفضل تقديم دعم مالي مباشر للمستحق بشرط ألا يذهب لجيبه، ولكن من خلال خصم مالي من دخله "يعادل الدعم" ليقتني المنزل المناسب في المكان المناسب له. أخيرا هناك خطأ شائع، حيث نبحث عن حلول دون توافر معلومات كافية "لعل المعلومات عن الأراضي مثال"، فالمعلومات الجيدة تحول الرؤية إلى برامج عملية تستند إلى رأي علمي وفني دقيق.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.