.
.
.
.

بورصات الخليج قبل استيعاب «عاصفة الحزم»

زياد الدباس

نشر في: آخر تحديث:

أدت مفاجأة عملية «عاصفة الحزم» العسكرية على الحوثيين في اليمن بقيادة السعودية إلى اهتزاز موقت في أسواق المال في المنطقة وفي مقدمها أسواق المال في بلدان الخليج والبلدان المشاركة في العملية، ما عزز الأخطار السياسية في البورصات وأضاف إضافة جديدة إلى أسباب عدم اليقين فيها. ومعلوم أن البورصات من أكثر الأسواق حساسية تجاه أي تطورات عسكرية أو سياسية أو اقتصادية إذ تشكل الأخطار السياسية والعسكرية 50 في المئة من المؤشر المركب لقياس الأخطار المتعلقة بالاستثمار في أسواق المال.

والحساسية المفرطة لأسواق المنطقة تجاه الأحداث السياسية مردها إلى سيطرة سيولة الأفراد على التعاملات، فهذه السيولة تتميز باعتمادها على العواطف والإشاعات والعوامل النفسية في قراراتها من دون الالتفات إلى قوة الأساسيات الاقتصادية والمالية سواء للشركات أو القطاعات أو الاقتصاد. ولذلك حصلت في أول أيام «عاصفة الحزم» عمليات بيع عشوائي في معظم أسواق الخليج والعديد من الأسواق العربية الأخرى فبلغت خسائر سوق دبي ستة في المئة، إضافة إلى خسائر كبيرة في الأسواق الأخرى في المنطقة.

لكن الاستثمار المؤسسي الذي تتميز قراراته سواء بالبيع أو الشراء بالنضج والعقلانية استغل حال الهلع التي سيطرت على سيولة المضاربين وبادر إلى شراء أسهم العديد من الشركات القيادية والواعدة التي انخفضت أسعارها السوقية بنسبة كبيرة من دون مبررات موضوعية أو منطقية. وقلص شراء الاستثمار المؤسسي في أسواق الإمارات عند بداية العملية نسبة الخسائر التي تعرضت إليها مؤشرات هذه الأسواق وساهم في امتصاص الصدمة الأولى للهجمات الجوية، خصوصاً بعد الإعلان عن نجاح هذه العملية وأهدافها.

ورفعت الأحداث في اليمن مؤشر عدم الاستقرار السياسي في بورصات المنطقة، خصوصاً بورصات بلدان الخليج التي تنعم عادة بالاستقرار السياسي والعسكري. ويساهم عدم الاستقرار السياسي في شكل قوي في التأثير في ثقة المستثمرين، خصوصاً أن الأخطار السياسية تمثل عائقاً رئيساً أمام دخول الاستثمارات الجديدة التي تعمل وفق آجال طويلة. وعانت البورصات من الارتفاع الكبير في أسعار النفط عند الإعلان عن العملية والعائد إلى التخوف من إغلاق ممرات النفط العالمية وفي مقدمها مضيقي هرمز وباب المندب، إضافة إلى ارتفاع أسعار الذهب باعتباره أحد الملاذات الآمنة في أوقات عدم اليقين وارتفاع الأخطار. وكلما ارتفعت الأخطار ارتفع العائد المطلوب تحقيقه من أسواق المال فتفضل شريحة مهمة من أصحاب رؤوس الأموال خلال فترات عدم الاستقرار الابتعاد من الأخطار في أسواق المال وإيداع أموالها في المصارف ولو بعائدات محدودة. ويُعتبر تصاعد الأخطار السياسية التي تمر بها المنطقة خلال هذه الفترة العامل المهم في التأثير السلبي في قرارات المستثمرين بعد أن امتدت الأخطار من العراق وسورية وليبيا إلى اليمن ذي الموقع الاستراتيجي لبلدان الخليج.

وتؤثر الاضطرابات السياسية والعسكرية في أي دولة سلباً في تصنيفها الائتماني ما يزيد صعوبة حصولها على القروض ويرفع تكلفة هذه القروض ويخفض احتياطاتها من العملات الصعبة نتيجة انحسار تدفق هذه العملات. وللاضطرابات السياسية تأثير سلبي في سعر صرف العملات وتدفق الاستثمارات الأجنبية سواء المباشرة أو غير المباشرة مع الأخذ في الاعتبار أن الاستثمارات الأجنبية هي أكثر الاستثمارات ميلاً إلى الهروب عند حدوث أي تطورات وتقلبات سياسية أو اجتماعية، إذ تلجأ الشركات المالية والصناديق الاستثمارية الأجنبية إلى تصفية مراكزها الاستثمارية والمالية هرباً من الأخطار. وفي هذه الأحوال تصبح المتغيرات الاقتصادية وأخطار الاستثمار في الأسواق المالية مثل أخطار سعر الفائدة وسعر الصرف وأخطار التضخم وأخطار السيولة وأخطار الأعمال هامشية عند تقدير حجم الأخطار.

ويتكيف بعض مديري الصناديق والمحافظ الاستثمارية المحلية مع الأخطار السياسية ويبادرون إلى استغلال تقلب مؤشرات الأسواق وضعف الثقة فيها ليشتروا أسهم العديد من الشركات التي تباع بأقل من قيمها العادلة ما يحقق لهم عائدات أفضل ومتميزة عندما تنتهي التقلبات، مع تركيزهم على أسهم الشركات التي لا يتأثر الطلب على خدماتها ومنتجاتها بحالات عدم الاستقرار السياسي أو العسكري مثل الأغذية والأدوية.

أخيراً لا بد من الإشارة إلى أن انكشاف دول مجلس التعاون الخليجي على اليمن من الناحية الاقتصادية يكاد يكون معدوما، كما أن عدم اتساع نطاق الوضع الأمني في اليمن ساهما في تعويض معظم الأسواق بعض ما تكبدته من خسائر لدى بدء العملية ويعززان التوقعات بتعويض البعض الآخر في الأسابيع القليلة المقبلة.

*نقلا عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.