.
.
.
.

دولة بلا نقود - هل هذا ممكن؟

ليون برخو

نشر في: آخر تحديث:

التاريخ يقول إن السويديين هم أول الناس الذين فكروا في أهمية تأسيس بنك مركزي ينظم تداول النقود في بلدهم. وبنكهم المركزي، الذي يطلقونه عليه لقب Riksbanken تأسس في نحو منتصف القرن الـ 17، قبل أن يكون لأي بلد آخر في العالم بنكا مركزيا.

وهذا البنك يطبع العملة الورقية والمعدنية للسويد منذ أكثر من 250 عاما، ولكنه يخطط اليوم وبالتعاون مع المصارف التجارية الأخرى للحدّ من تداول العملة الورقية والمعدنية في البلد إلى أقصى حد ممكن للوصول إلى اليوم الذي يختفي النقد من الوجود والتداول في السنين الخمس المقبلة.

اليوم قلما يحمل سويدي معه نقودا. وصار كثير من المصارف يرفض التعامل بالنقود بالمرة. لا تقبل الإيداع النقدي ولا تقبل السحب النقدي، إلا في الضرورات القصوى.

بطاقات الائتمان هي السائدة في كل مكان. وأخذ كثير من المحال التجارية يرفض التعامل بالنقد. ومنظر أمرئ يحمل دفاتر نقود ورقية معه قد يثير الكثير من الاستغراب والدهشة أو ربما يحث بعض السويديين إلى تبليغ الشرطة عنه.

والسويديون بصورة عامة مشهود لهم حبهم لشرطتهم وتعاونهم معها إلى درجة أنك لو أوقفت سيارتك لبعض دقائق في مكان ممنوع، لرفع سويدي هاتفه واتصل بالشرطة مبلغا عن السيارة ورقمها ومكان وقوفها غير الشرعي.

المواطنون يتعاونون مع الشرطة بشكل مذهل ويبلغون عن أي شيء يلاحظونه غريبا أو غير مقبول، الأمر الذي يجعل بعض الأجانب لا سيما القادمين من دول شرق أوسطية يطلقون صفة "الجواسيس" على أبناء البلد الأصليين.

الثقة المتبادلة تجعل الدولة في وضع مريح عندما تتخذ قرارات قد تكون في نظر الدول أو الشعوب الأخرى مستحيلة التطبيق أو ربما التشريع حتى. وهكذا عندما اعترفت الحكومة رسميا بدولة فلسطين، لم يكن صعبا أبدا على هؤلاء "الجواسيس" بمفهوم بعض المهاجرين الشرق أوسطيين استيعاب حيثيات القرار وقبوله ومناصرته.

هذه الثقة تجعل المواطن يؤمن أنه بإمكانه الاستغناء عن النقود جريا وراء سياسة دولته النقدية التي يطبقها البنك المركزي ذو الاستقلالية التامة عن الحكومة والأحزاب.

النقل العام في السويد ــــ وهو عماد الحركة ــــ صار خارج دائرة تداول النقد. الحافلات والقطارات لا تقبل النقد وكذلك الزيارة إلى المستشفيات والعيادات كافة.

بإمكانك أن تدفع أي مبلغ مهما كان صغيرا وإن كانت قيمته فلسا واحدا "كرونة سويدية واحدة" من خلال بطاقة الائتمان أو الهاتف النقال. وإن أردت إيداع مبلغ من المال، فعليك استخدام بطاقة الائتمان أيضا وإجراء عملية الإيداع من خلال آلة صرف النقود الأوتوماتيكية. ولكن الإيداع محدود جدا والبنك قد يسأل الكثير من الأسئلة عن أي إيداع من خلال آلة الصرف.

وقد أخذت الصحافة تناقش منافع ومضار خلو البلد من النقود على الناس والاقتصاد. والمناقشات تأخذ أبعادا كثيرة وتؤثر في أصحاب القرار إلا أن الكلمة الفصل هي لأصحاب الاختصاص من أساتذة الجامعات، حيث قلما يشرع البرلمان قانونا أو تتخذ مؤسسات الدولة قرارا ذا علاقة مباشرة بحياة الناس ما لم يشبعه المختصون نقاشا وبحثا ودراسة.

كبار السن حزينون جدا لأنهم ينظرون إلى العملة الورقية والمعدنية كرموز وطنية، تذكرهم الصور والأشكال المطبوعة أو المنقوشة عليها بتاريخهم وأعلامهم وملوكهم.

أما الجيل الحديث فعلاقته بالماضي سطحية. لقد أخذت التكنولوجيا الرقمية بألباب الجيل الجديد الذي يرى في الهاتف الذي يحمله تقريبا نهاية وبداية الدنيا لديه.

والهاتف الذكي صار أكثر آلة تكنولوجية استخداما وتداولا في البلد. من خلال هذه الآلة الرقمية الصغيرة تجري اليوم أغلب عمليات التداول. مثلا، كثير من شركات النقل العام ترفض حتى الدفع الإلكتروني عند الصعود. عليك الدفع مقدما من خلال هاتفك الذكي وعند دخول الحافلة كل ما عليك هو قراءة الرقم الأول والثاني لبطاقتك من على شاشة هاتفك أمام السائق الذي يؤشر على الأرقام في جهاز في شاشة إلكترونية صغيرة أمامه.

ومن منافع سحب النقود من التداول والاعتماد الكلي تقريبا على الدفع الإلكتروني هو أن مسألة التملص من الضريبة صارت أمرا صعبا إن لم يكن تقريبا مستحيلا.

دائرة الضرائب بإمكانها كشف الوارد والصادر إن كان التعامل إلكترونيا. بيد أنه بالإمكان التملص من الضريبة إن كان الدفع نقدا لأنه يمكن لصاحب الشركة أو العمل إخفاء التداول عن دائرة الضرائب.

وقد جعل التداول الإلكتروني مسألة السرقات "سرقة الجيوب أو المصارف" غير ذات جدوى. الذي يسرق محفظتك، الخالية من النقد تماما، على الأرجح لن يتمكن من استخدام بطاقة الائتمان التي فيها لأنه لا يعرف الرقم الرمزي الذي تستخدمه ومن ثم بإمكانك وبسهولة إبطال مفعولها.

وآخر سرقة للمصارف في السويد كانت قبل أشهر عديدة على ما أتذكر. ولكن اللصوص تركوا المصرف بخفي حنين لأنهم لم يعثروا على قرش بحوزة موظفيه أو في خزائنه. المصرف كان قد تحول إلى التداول والصرف الآلي تماما قبل نحو سنتين.

* نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.