الأهداف الإنمائية العالمية للألفية: تلاؤم ضعيف مع الحاجات الملحة

ذكاء مخلص الخالدي
ذكاء مخلص الخالدي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

وصلت الأهداف الإنمائية للألفية، التي تبنتها الأمم المتحدة في 1990 في إطار تحقيق التنمية البشرية، وطالبت الدول الأعضاء بتنفيذها بحلول عام 2015، إلى محطتها الأخيرة. وبدأ كثير من المؤسسات الإقليمية والدولية ذات العلاقة بتحديد مدى نجاح الدول أو إخفاقها في هذا الصدد.

ويبلغ عدد الأهداف ثمانية هي: القضاء على الفقر المدقع والجوع، وتعميم التعليم الابتدائي، وتعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، وخفض معدل وفيات الأطفال، وتحسين صحة الأمهات، ومكافحة فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) وغيره من الأمراض المعدية، وكفالة الاستدامة البيئية، وأخيراً إقامة شراكة عالمية من أجل التنمية.

وفي مجال تقويم ما تحقق من هذه الأهداف يمكن طرح سؤالين مهمين: الأول، هل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة اليوم أكثر رفاهاً من عام 1990؟ وإذا كانت الإجابة لا، يبرز السؤال الثاني وهو: هل سعت أهداف الإنمائية الألفية إلى معالجة النتائج وليس الأسباب؟.

في ما يخص الهدف الأول، وهو القضاء على الفقر المدقع والجوع من خلال خفض عدد الأشخاص الذين يقل دخلهم عن 1.25 دولار يومياً وعدد الأشخاص الذين يعانون الجوع إلى النصف، أظهرت التقارير التي أعِدت عن نتائج تنفيذ هذا الهدف أن في الوقت الذي تجاوزت بعض الدول حدود التنفيذ المطلوبة، كان التحسن في مستوى الفقر والجوع في العديد من الدول الأخرى إما طفيفاً أو أصبح أكثر سوءاً مما كان عليه في 1990.

لا شك في أن مستوى الفقر والجوع في كل دولة هو نتيجة مباشرة لسياساتها الاقتصادية، خصوصاً التنموية. فالفقر والجوع نتيجة مباشرة للبطالة، وممارسة الأعمال الهامشية، والأخيرة بدورها نتيجة لقصور السياسات التنموية عن الوصول بنتائجها إلى كل المواطنين، إذ لا يمكن لأي دولة أن تحارب الفقر والجوع إذا لم تحارب البطالة أولاً باستثناء حالات الأزمات.

عجزت السياسات التنموية في معظم الدول النامية عن تحقيق الإنماء المتوازن من خلال التوزيع الجغرافي للإنفاق التنموي، ليشمل المناطق الريفية والمناطق المهمشة وأحزمة الفقر داخل المدن الكبيرة، والاهتمام بتطوير الزراعة والصناعة التحويلية، وهما القطاعان الأكثر توليداً لفرص العمل، وربط الريف بالمناطق الحضرية بشبكة حديثة من المواصلات. لكن هذه العوامل تعتبَر أساسية لبقاء السكان وعدم نزوحهم إلى المدن الكبيرة للبحث عن عمل أو فرص معيشة أفضل وبالتالي زيادة حجم وأعداد أحزمة الفقر المحيطة بهذه المدن.

وعنــدمـا طـالب هــذا الهدف الدول بالقضــاء على الفـقـر الـمـدقـع والجـــوع تنـــاول النتيجة ولم يتناول السبب. وكان الأجدر به أن يطالب الدول بتبني سياسات تنمـــوية متوازنة جغرافياً ومولدة لفرص العمل. ولو حقِّق ذلك لأصبح القضاء على الفقــر المدقع والجوع نتيجة حتمية لارتفاع معدلات الدخل للطبقات الريفية والفقيرة.

أما الهدف الثاني فينص على تعميم التعليم الابتدائي ليتمكن جميع الأطفال ذكوراً وإناثاً في كل مكان بحلول عام 2015 من إتمام مرحلة التعليم الابتدائي. وأظهرت التقارير أنه كان أكثر الأهداف نجاحاً إذ زادت نسبة الأطفال المسجلين في التعليم الابتدائي زيادات كبيرة بين 1990 و2013. وفي بعض الدول وصلت إلى حد 100 في المئة.

لكن السؤالين اللذين بقيا من دون إجابة هما: الأول، هل حصل تحسن في نوعية التعليم مساوي أو مكافئ لكمية التعليم، والثاني، ما مقدار التسرب من التعليم الابتدائي بعد التسجيل للمرة الأولى؟ يحصل التسرب عادة في مستويات الدخل الفقيرة إذ يؤدي ضعف مستوى الدخل بالأولاد إلى ترك الدراسة والانخراط بالعمل لأنه أجدى نفعاً أو أن يشجعهم الأهل على ذلك.

ولاحظت التقارير التي تناولت مدى نجاح الدول في تحقيق هذا الهدف أن الفقر وعدم المساواة يبقيان من العقبات التي تعيق التعليم. ومعروف أن التعليم موضوع ظاهره بسيط وباطنه معقد. وأثبتت الدراسات التي سعت إلى تحديد علاقة التعليم بالنمو الاقتصادي، أن لكل نوع من أنواع التعليم إفرازات خاصة. فمعظم الدول مهما كانت إمكاناتها لا تستطيع الإنفاق على التعليم بكل أشكاله في الوقت نفسه وبالأهمية نفسها لأن التعليم عملية مكلفة ويتصف الاستثمار فيه بفترة حضانة طويلة قبل أن يؤتي ثماره.

كذلك لا يقتصر الموضوع على كمية التعليم وإنما على مدى ملاءمة مخرجاته مع متطلبات سوق العمل. وبسبب معدلات البطالة العالية في الدول النامية يعتبر الاستثمار في التعليم المهني والتدريب هو الأكثر إلحاحاً والأكثر علاقة بالتخفيف من البطالة وبالتالي زيادة معدلات دخل الفرد، خصوصاً لدى الطبقات دون المتوسطة، بما يمكنها من الإنفاق على تحسين مستوى معيشتها وتعليم أولادها.

وهكذا نجد أن هدفي الإنمائية الألفية الأول والثاني لم يكونا موفقين وملائمين لحاجة الدول النامية. فالهدف الأول تناول معالجة النتيجة وليس السبب، والثاني اختار نوع التعليم الأقل ارتباطاً بتقليص البطالة وزيادة الدخل.

* نقلا عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.