إفلاس اليونان
كل الذين ساهموا في كتابة التاريخ قالوا إن الحضارة الإغريقية ظهرت في بلاد اليونان الكبرى مكتملة الوجود بين القرن الخامس والسادس، وقد بلغت درجات عالية من واقع الأمر العلمي والفلسفة، وقد عُرفت اليونان بأنها حلقة وصل بين الشرق والغرب، وكان لأثينا أسطول بحري ضخم يساعدها على الانفتاح والتبادل التجاري ونتج عنه ازدهار الاقتصاد وظهور طبقات اجتماعية جديدة إلى جانب طبقة النبلاء.
والجدير بالذكر أن اليونان اليوم تعاني من أزمة اقتصادية وتزيد ديونها على 175 بالمئة من إجمالي ناتجها وسيناريو الإفلاس والضغوط الأوروبية التي تطالبها بالإصلاح الاقتصادي ما لم تشرع في سداد ديونها، فقد كان لحضارة الإغريق القديمة تأثير هائل على السياسة والنظم التعليمية والفلسفة والعلوم والفنون، وكان المجتمع اليوناني القديم يعنى بالأدب والمسرح وذكاء فاخر يتصف به كبار الفلاسفة ورواد العلم، وفي الحقيقة كانوا حكماء شامخين كالجبال التي تحيط بهم، بثراء علمي باذخ وهائل من الكتب والعلوم والتكنولوجيا، طوروا علوم الفلك وحركة الكواكب، وشكلت علومهم ممارسة إنتاجية لها بعد أساسي من أبعاد الحياة اليومية حققت للفرد إنسانيته وطموحاته الأساسية، واستمد الفرد منها توجيه حياته فلسفياً.
فإذا كانت المسائل برمتها تعتمد على الاقتصاد والسياسة وبلغ نمو الحاجات في المجتمعات الصناعية المعاصرة انعكاساته على الإنسان واستقلاليته ما أدى إلى ازدحام الاستهلاك وتجاوز الإنتاج في بعض الدول.
فليس من سبيل يميز بين التدهور الاقتصادي وأهل أثينا أصحاب المشهد الثقافي والمعرفي في القرون السابقة سوى التخلص من تخيلنا وإدراكنا الحسي باستمرار الحكمة، وما أعظم سلطان الفكرة عندما نتساءل ما الذي يهدم إمبراطورية عظيمة ويحولها إلى أجزاء فقيرة وقد كانت ساحاتها تكتظ بالحكماء والفلاسفة وجميع علوم الأرض والفلك؟
فمنذ اندلعت الأزمة اليونانية، تراجعت المواجهة وظهر العجز الذي قاد إلى التقليص المالي وخفض قيمة العملة، ووضعت الحكومة قيوداً على حرية التعبير في الإنترنت وأطلقت رقابة مشددة على الإذاعة والتلفزيون، ناهيك عن الإنفاق العسكري وهاجس السيطرة على قبرص وسباق التسلح مع تركيا، فكلما انخفض سقف الحريات تراجعت فعالية القرارات وتعثر كثير من الأنشطة واسعة النطاق.
ولا يمكننا التحدث عن شيء آخر سوى المكانة العلمية الرفيعة التي تحققت على أرض اليونان، ومن العسير أن تموت تلك الحضارة ونتجاهل تلك المكاسب، فالحكم على الأشياء العامة السابقة يغذي سلطان الفكرة ويمثل شرط اليقين ما جعل اليونان ثاني دولة أوروبية بعد إيطاليا تقصدها الهجرة غير الشرعية والأعداد الكبيرة من المهاجرين من الشرق الأوسط وقالت السلطات اليونانية إن أكثر من ألف شخص دخل البلاد بطريقة غير شرعية عن طريق البحر في يوم واحد.
ولماذا اعتنقوا فكرة نجاح الحياة على أرض اليونان وهي تعاني اقتصاديا وما هي الثقة المسبقة الدالة على صواب هذه الأقلية للعيش ومواجهة سلطة القانون في تجريم هذه الهجرة، إلا لاعتبارات قيمة تسندها رغبة قوية قادرة على إنتاج ثقافة معينة وكيفية لها خصائص وأصول.
فالعصر وأحداثه يضطلع بالالتزام ويناضل من أجل قضاياه المتنوعة وأزمة اليونان تؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي بأكمله، وسيكون مصير اليونان مع اليورو معلقاً وخروجها من هذه المنطقة - منطقة اليورو - له تبعات ومخاطر عالمية، أفلست اليونان رغم ثراء تاريخها الباذخ.
* نقلا عن صحيفة " الرياض "