.
.
.
.

تمويل التنمية المستدامة .. الموارد المالية والسياسات السليمة

من زو وساروت جاهان

نشر في: آخر تحديث:

تستهل بلدان العالم في العام الجاري مرحلة جديدة من تنميتها في ظل أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة. وبينما تحل هذه الأهداف الجديدة محل الأهداف الإنمائية للألفية، فإنها ستعمل على تعميق منظور التنمية ليشمل القضايا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. ولتحقيق هذه الأهداف، ينبغي توافر عنصرين حيويين، هما المال والسياسات السليمة لاستخدام هذا المال. وسوف يتعاون صندوق النقد الدولي، بجانب عديد من كيانات المجتمع الدولي الأخرى، مع هذه البلدان من أجل توفير هذين العنصرين معا.

وتسعى بلدان العالم إلى تحقيق أهداف التنمية في بيئة جديدة، حيث أصبح العالم مترابطا بصورة متزايدة منذ أوائل "الألفينات" من القرن الحالي. فقد ازدادت تدفقات التجارة العالمية على نحو مطرد خلال العقدين الماضيين.

ويمضي حاليا عديد من الاقتصادات الواعدة بخطى سريعة نحو الاندماج مع الأسواق المالية العالمية. ففي عام 2014، على سبيل المثال، قامت كوت ديفوار، وغانا، وكينيا، والسنغال، وفيتنام، وزامبيا بإصدار سندات حكومية بقيمة إجمالية بلغت نحو 7 مليارات دولار أمريكي. وفي الوقت نفسه، خسرت المساعدة الإنمائية الرسمية مركز الصدارة كمصدر رئيس للتدفقات الرأسمالية إلى البلدان النامية، فانخفض حجمها من 1.6 في المائة من إجمالي الناتج المحلي الجماعي للبلدان النامية في عام 1990 إلى 0.7 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2012.

ونتيجة لهذه الزيادة في الاندماج أصبحت البلدان النامية أكثر عرضة لمخاطر التقلبات الاقتصادية من خارج حدودها – ويسميها خبراء الاقتصاد الصدمات مثل التقلبات في أسعار السلع الأولية العالمية، والتدفقات الرأسمالية، والتغيرات في أسعار الصرف، على سبيل المثال وليس الحصر.

ولتمويل احتياجات التنمية وبناء القدرة على الصمود أمام الصدمات، يحتاج عديد من البلدان النامية إلى زيادة إيراداتها وإدارة عمليات التحصيل الضريبي والإدارة الضريبية على نحو أفضل. ومن خلال مشاركتنا في جهود البلدان يتبين أن السياسات المحلية يمكن أن تحقق نتائج إيجابية.

وعلى سبيل المثال، رفعت بيرو نسبة الضرائب المحلية من 6 في المائة إلى 13 في المائة من إجمالي الناتج المحلي على مدار التسعينيات من القرن الماضي، ثم قامت بتثبيتها عند مستوى 17 في المائة تقريبا منذ عام 2010؛ وقطعت عدة بلدان أخرى – مثل تنزانيا وفيتنام- شوطا كبيرا أيضا على هذا الطريق.

والمجال يتسع إلى حد كبير أيضا لتعزيز الموارد المحلية مع معالجة الشواغل البيئية وذلك من خلال إصلاح أسعار الطاقة وتسعير الكربون، على سبيل المثال.

ويعمل الصندوق على مساعدة البلدان على دعم قدرتها لتعبئة الأموال على المستوى الوطني وإصلاح نظامي ضرائب ودعم الطاقة، من بين جملة أمور.

كذلك يمكن لكبار الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة أن تقدم العون من خلال إجراءات العمل الجماعي، ومنها الوفاء بالتزامات تقديم المعونة الأجنبية لدعم أكثر البلدان تعرضا للخطر، وتعزيز التعاون الضريبي على المستوى الدولي، وإنعاش جدول أعمال تحرير التجارة العالمية، والاتفاق بشأن أهداف وطنية للحد من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون أثناء قمة تغير المناخ المقرر انعقادها في باريس في ديسمبر 2015.

المال وحده لا يكفي – فالبلدان بحاجة إلى سياسات لترجمة أهداف التنمية المستدامة وتنفيذها وفقا لظروف كل منها على حدة. وسوف تحتاج إلى المزيج السليم من السياسات للمحافظة على بيئة جاذبة تسمح بازدهار الاستثمار وكفاءة استخدام الموارد المتاحة في المجالات ذات الأولوية، كالصحة والتعليم. فالسياسات الجيدة، على وجه التحديد، يمكن أن تساعد البلدان على التعافي وتحقيق ارتداد إيجابي حتى بعد التعرض لأشد الصدمات من خارج حدودها.

وتشمل هذه السياسات إجراءات لزيادة مساهمة البلدان من مواردها الخاصة لتمويل أهدافها، وإجراءات لضمان حسن استخدام البلدان لمواردها المالية، سواء المقترضة أو من الضرائب، لمعالجة فجوات البنية التحتية وتشجيع الاندماج. وسوف يسهم هذا الأمر في تحقيق نمو يتسم بالقوة والاستمرارية واتساع نطاقه، مع الحفاظ على مستويات الدين التي يمكن الاستمرار في تحملها. وهذه جميعا عوامل مهمة لنجاح استراتيجية التنمية – وهي من صميم عمل الصندوق مع البلدان.

وعندما يتعلق الأمر بأهداف التنمية فإن البلدان المعنية هي التي تشغل مقعد القيادة وتضطلع بالمسؤولية الكاملة. وعلى شركائها من الاقتصادات الأكثر تقدما القيام أيضا بدورهم، باتخاذ التدابير لدعم استقرار الأوضاع الاقتصادية والمالية العالمية. أما المؤسسات المالية فهي أشبه ما تكون بطاقم الصيانة في سباقات السيارات، فهو عبارة عن مجموعة متخصصة من المختصين الفنيين والاستشاريين الذين يتعاونون مع قائد السيارة كي يواصل التقدم.

ويعمل الصندوق حاليا مع البلدان النامية لزيادة قدرة اقتصاداتها على الصمود أمام الصدمات في عالم يتسم بدرجة أكبر من الترابط. ونستكشف في الوقت الحالي الخيارات الممكنة لتنقيح تسهيلاتنا التمويلية لزيادة فرص البلدان الأكثر فقرا وضعفا في الحصول على موارد الصندوق التيسيرية. ونستكشف أيضا الطرق الكفيلة بتوفير شبكات أمان أقوى للبلدان القادرة على الوصول إلى أسواق رأس المال الأجنبية، ما يعرضها أيضا لمخاطر صدمات التدفقات الرأسمالية. وتهدف هذه الإصلاحات إلى تمكين البلدان النامية من الاستعداد بصورة أفضل للتعامل مع الصدمات الاقتصادية مع سعيها لتحقيق أهدافها الإنمائية.

وبينما نبدأ مشوارنا إلى أديس أبابا وما بعدها، علينا جميعا في المجتمع الدولي أن نعزز من مشاركتنا في الجهود المبذولة لضمان جعل «أهداف التنمية المستدامة» حقيقة واقعية.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.