اليونان فجر الديمقراطية وفشلها
كان سقراط ينظر إلى أحد التماثيل، فقال له أحد المارة: صباح الخير.. فأجاب: ما معنى الخير أولاً لكي نتفاءل به..
أسس سقراط علم الأخلاق في أثينا الفكر والعقل وبدايات الحياة البرلمانية والديمقراطية التي عرفها الإنسان عبر جمعية (الأبالا) في أسبرطه أو مجالس الحرية التي ظهرت في أثينا، والاقتراع العام للذكور قبل آلاف السنين لتأسس حضارة إغريقية شامخة بالفن والمعمار سحرت شعوب المتوسط ولا تزال هي ملهمة الفكر الغربي نحو الديمقراطية ومفهوم الأنظمة.
في عز تلك الحضارة الغناء وفي قلب نعيم الرومانسية النظرية اعتقد أفلاطون بأن تحقّق وتكامل المفاهيم الأخلاقية للإنسان أصبح ممكناً وقريباً مفهوم (المدينة الفاضلة)، وقرأ الفلاسفة والمفكرون الأوروبيون تلك المفاهيم لتعود أوروبا مع بداية النهضة الصناعية لتقود المسيرة البشرية نحو التنمية عبر حصان الحرية الذي أوصاهم به فلاسفة الإغريق وهو أن الحرية تعني التنمية.. مرت السنوات بعد الحرب العالمية الثانية وزوال دكتاتورية "فرانكوا" في اسبانيا أصرت أوروبا على توطين الديمقراطية في اسبانيا لكي تترسخ فيها بنية المؤسسات العامة واستقلالية القضاء وحقوق الفرد ليستطيع المشاركة في الاقتصاد العام وتترسخ مفاهيم الشفافية والعدالة والإنتاجية، وفعلاً تكاملت اسبانيا ونهضت لمستوى الدول الأوروبية الغربية، وكذلك ألمانيا الشرقية مع الغربية ليتأكد مفهوم (نادي الدول المتقدمة).
بعد هذا النجاح الذي نهل الأوروبيون جذوره من اليونان انصدم الأوروبيون بأن أحفاد أفلاطون وسقراط يثبتون عكس النظرية التي تعلّموها منهم بأن الديمقراطية سوف تمنح التكامل مع الدول المتقدمة بعد أن انصدمت أوروبا بعدم وفاء اليونان بديونها ووعودها وضعف نموها الاقتصادي وتزايد الديون قياساً بالحجم الاقتصادي والمؤلم، والأخطر هو عدم دقة ومصداقية الأرقام التي كانت تقدم والثقافة غير المنتجة والتي منحت سن تقاعد مبكّرة وضعف كفاءة ساعات الإنتاج.
أكتب هذه السطور وأنا أرى اليونانيين يتظاهرون بين تماثيل أثينا وهم يخشون من ويلات التضخم إذا خرجت اليونان من منطقة (اليورو)، والجميع لا يفهم لماذا فشلت الديمقراطية في إنقاذ اليونان؟ هل هو بكل بساطة اختلاف الثقافة الإنتاجية بين اليونان وبقية أوروبا، أو هل هو تطاول المؤسسات الإنتاجية والحقوق العمالية؟
الحقيقة ما يحدث لليونان يستحق البحث والدراسة، ولكن الأكيد والواضح أن الديمقراطية لم تكن تكفي للتكامل مع الدول المتقدمة.
* نقلا عن صحيفة " الرياض "