.
.
.
.

دور الأجهزة النقدية والمالية العربية في امتثال المصارف للمعايير الدولية

عدنان أحمد يوسف

نشر في: آخر تحديث:

تتزايد التحديات أمام المصارف العربية بعد تخليص كثير من المصارف الدولية ذاتها من أخطار المراسلة مع مصارف في المنطقة العربية ومناطق أخرى نظراً إلى تزايد أخطار مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والعقوبات العالية. وقطع العديد من المصارف علاقات كانت ممتدة لفترات طويلة مع مؤسسات معروفة ومرموقة في المنطقة بسبب التكاليف الباهظة للامتثال بعدما باتت أعلى بكثير من الدخل المحقق من علاقات كهذه.

لا تستطيع المصارف العربية مواجهة هذه التحديات وحدها ولا بد من عمل منسق وداعم من الأجهزة النقدية والمالية والعربية والمصارف المركزية ووزراء المال العرب من أجل اتخاذ خطوات تساعد المصارف العربية على مواجهة تلك التحديات. وعلى الأجهزة والمصارف أن تعمل على خطين متوازيين، الأول هو دعم إجراءات الامتثال لدى المصارف التي تشرف عليها ومساعدتها في الحصول على الخبرات الفنية والأنظمة التقنية التي تساعدها على تحقيق الامتثال في الصورة المطلوبة، والمسار الثاني هو دعم وجود بدائل ممكن أن تؤدي وظيفة المراسلة بدلاً من الاعتماد كلياً على المصارف العالمية.

في ما يخص المسار الأول، لا يمكن للمصارف المركزية والأجهزة النقدية والمالية العربية أن تكتفي بإصدار تعليمات الامتثال للعقوبات الدولية ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتحديد السياسات اللازمة لتطبيق معايير الامتثال، بل يجب التدخل لدعم المصارف، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة التي تمثل الفئة الأكبر من المصارف العربية، سواء لجهة حجم رأس المال أو الموجودات، لتعزيز ما تملكه المصارف من المهارات الفنية والأنظمة التقنية والتدريب والخبرة والدراية في هذا المجال.

ويمكن للأجهزة الناظمة أن تعمل لتأسيس شبكة وطنية تعمم على كل المصارف ما يتعلق بالجزاءات والعقوبات، وأن تعمل لتأسيس شبكة عربية منسقة وموحدة لتبادل المعلومات والخبرات وآخر تطورات العقوبات وغيرها من أجل دعم المصارف العربية في تحقيق الامتثال المطلوب. وثمة أهمية لهذه الخطوات نظراً إلى الأوضاع السياسية والاقتصادية العربية الراهنة، خصوصاً الأحداث التي يشهدها عدد من البلدان العربية مثل مصر وليبيا والعراق وسورية، حيث تتشابه الأخطار التي تواجهها، بل وتتمدد عبر هذه البلدان وتهدد بأن تطاول بلدان أخرى، ما يوجب توحيد جهود الحكومات العربية في مواجهة هذه الأخطار، بما في ذلك توحيد جهود المصارف المركزية والأجهزة النقدية والمالية العربية في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

أما في ما يخص المسار الثاني فنستذكر الجهود المبذولة منذ سنوات لتأسيس «المصرف الكبير» (Mega Bank) لياسهم، من جملة مهام الأخرى، في تقديم خدمات المراسلة للمصارف العربية إذ إن الأوان آن كي تدعم المصارف المركزية والأجهزة النقدية العربية فكرة تأسيس هذا المصرف، خصوصاً أن مشروع تأسيسه قطع شوطاً جيداً وأثبتت كل الدراسات والمؤشرات جدوى تأسيسه وأهمية الخدمات التي سيقدمها إلى المصارف العربية الأخرى.

ونستذكر أيضاً في هذا المسار التوجهات الموجودة لدى مجلس محافظي المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربية، الذي دعم في دورته الاعتيادية الثامنة والثلاثين في العاصمة الجزائرية نهاية العام الماضي، التوصيات التي توصلت إليها اللجنة العربية لنظم الدفع والتسوية الخاصة بجدوى إنشاء نظام إقليمي لمقاصة المدفوعات العربية البينية وتسويتها، وأكدت جدوى إنشاء نظام كهذا.

ودعا مجلس محافظي المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربي اللجنة إلى اتخاذ ما يلزم للتقدم بخطة عمل شاملة لمتطلبات التنفيذ، تأخذ في الاعتبار كل التساؤلات والتحديات المرتبطة بذلك، مع تأكيد أهمية الامتثال للمعايير الدولية وتضمين العملات العربية. ولا شك في أن نظاماً كهذا في حال تأسيسه سيستجيب لمطالبات عمرها سنوات بتخفيف الأخطار التي تتعرض إليها المصارف العربية والمتصلة بالعقوبات الدولية، وسيساهم في الوقت ذاته في تفعيل دور المصارف في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.