.
.
.
.

«موبايلي» بين معايير المحاسبة السعودية والدولية

محمد آل عباس

نشر في: آخر تحديث:

في مقالات سابقة ناقشت بالتفصيل مشكلة "موبايلي" والمحاسبة عن العقود وبعض المنتجات المبتكرة لديها، وبعد أن ناقشت المشكلة بإسهاب وضعت سؤالا مهما، هل كان للمعايير السعودية دور ما في مشكلة "موبايلي"؟ وفي مقال آخر أثبت أن المعايير السعودية لها علاقة بمشكلة "موبايلي" وأننا تأخرنا كثيرا في اللحاق بالركب العالمي وبقينا معلقين في فترة ما قبل السوق المالية وما قبل طفرة شركات الاتصالات ومنتجاتها المبتكرة والمعقدة، ومع ذلك فإن السؤال الأهم الذي طرحته في حينها هو مدى انتشار وباء مشكلة "موبايلي" (إذا جاز التعبير) في الشركات السعودية، خاصة إذا بقيت المعايير السعودية هي الأساس الذي تبنى عليه جميع القوائم المالية وأيضا هي المرجع في مراجعة هذه القوائم رغم أنها قد أصبحت خارج الخدمة فعليا. لا أريد أن أكون قاسيا، لكنني طالبت حينها بتعليق العمل ببعض المعايير ومنها معيار الإيرادات، حيث لم يعد قادرا على تلبية متطلبات الاقتصاد السعودي، ومع ذلك فإنه لم يصدر شيء بهذا الشأن حتى الآن ولا أعرف لماذا؟

خلال الأسابيع الماضية انتهى تقرير لجنة فحص القوائم المالية لشركة موبايلي وكانت هناك نتائج عدة لكن أهم وأخطر نتيجة توصل إليها فريق الفحص هي ضرورة تعديل المعايير المحاسبية لشركة موبايلي من المعايير السعودية، إلى المعايير الدولية وهو ما أشرت إليه سابقا من تورط المعايير السعودية في المشكلة. وقد ترتب على هذا التعديل أن تعديل الشركة من نتائجها المالية للعام الماضي 2014، لترفع خسائرها من 913 مليون ريال، إلى 1.7 مليار ريال، (أي بقيمة 830 مليون ريال، بنسبة زيادة 91 في المائة) وانخفضت حقوق المساهمين في الشركة بهذا التعديل بنسبة 12 في المائة، لتخفضها من 19.4 مليار ريال، إلى 17 مليار ريال. والسؤال الآن هل بعد هذا شك في مدى تأثير المعايير السعودية في القوائم المالية للشركات، لقد تسببت المعايير السعودي في انحراف في الخسائر المعلنة بنسبة 91 في المائة. النتيجة الأخرى التي لا تقل أهمية هي مدى أهمية ودور الرقابة الداخلية والمراجعة الداخلية في مشكلة "موبايلي". وقبل أن أدخل في تفاصيل أكثر، فإنني أكرر أن هذه التعليقات تأتي من قراءة ما يتم نشره في الصحف والإعلام الرسمي ولم أطلع فعليا على تقرير لجنة الفحص ولهذا بقي سؤال عندي لم أجد إجابته فيما تم الإعلان عنه حتى الآن، ما مسؤولية المراجع الخارجي في هذه المأساة وفقا لتقرير اللجنة المستقلة؟

وبشكل أكثر تفصيلا فقد أعلنت الشركة أنها سوف تقوم بتعديل معالجتها المحاسبية الخاصة بإعداد وتشغيل عقود الألياف البصرية FTTH والترتيبات مع الموزعين المعتمدين Branded Resellers، باستخدام منهجية أقرب لما هو مبيّن في معيار التقارير المالية الدولي رقم 15 الذي سبق وشرحته بالتفصيل في مقال سابق ويتطلب إعادة النظر في توقيت إثبات الإيرادات من عقود متعددة المكونات باستخدام القيمة العادلة للخدمات أو المنتجات الأساسية المقدمة منها - (لا حظ أن الشركة تتجنب الإعلان الرسمي عن اتباع المعايير الدولية بسبب القيود القانونية من جانب وبسبب أنها لو أعلنت ذلك فلن تكون أرقام القوائم المالية لـ"موبايلي" قابلة للمقارنة فيما بينها البين، ولا مع الشركات الأخرى، وشخصيا لن أسأل عن مدى صلاحيتها الآن لكن "موبايلي" في هذا الشأن قد أصبحت في منطقة رمادية).

من القضايا المهمة التي قدمها تقرير الفحص ولم تكن معلنة من قبل قضية استهلاك الأصول وأسلوب "المتابعة" من قبل الشركة لاستهلاك الموجودات الثابتة (ولعل في هذا إشارة للرقابة الداخلية وإدارة المراجعة الداخلية في الشركة)، وهذا محل تساؤل كبير جدا لأنه يمثل ممارسة شديدة الخطورة إذا كانت منتشرة بين الشركات السعودية، فشركة موبايلي (مثلها مثل جميع الشركات الصناعية) لديها موجودات (أجهزة ومعدات) كبيرة ومعقدة تخضع للتقييم والتحديث على نحو منتظم، لكن ما حصل في "موبايلي" أن نظام الرقابة الداخلية مصمم كي يسمح للشركة بقيد هذه الأجهزة والمعدات ضمن سجل الموجودات الثابتة ومن ثم بدأت المحاسبة عنها فقط إذا تم الحصول على تأكيدات من الإدارة المعنية بهذه الأجهزة أنه قد تم وضعها في الخدمة وبدأ استخدامها. إلا أنه في بعض المعدات المعقدة والمكلفة جدا قد حصل تأخير في بداية استخدامها وبشكل لافت، ثم لما بدأ استخدامها بعد مدة كان يجب على الشركة أن تقوم باحتساب مصروفات الإهلاك لتكلفة الموجودات المتأخرة في استخدامها منذ وقت شرائها وحتى بدء استخدامها دفعة واحدة وهذا سوف يرفع من مصروف الإهلاك في تلك السنة التي تم إدخال الجهاز للخدمة (بسبب تأخر الشركة في استخدامه) وبدلا من ذلك قامت الشركة بتقسيم تكلفة الجهاز في وقت استخدامه على العمر المتبقي له (أي يصبح مصروف الإهلاك في سنة الاستخدام مثله مثل بقية السنوات)، وهذه المعالجة رفضها تقرير لجنة الفحص وعليه قرر مجلس الإدارة تعديل تكاليف استهلاك الفترات السابقة، حيث تعكس الاستهلاك في فترات المعنية منذ تاريخ رسملة تلك الموجودات. ولهذا أيضا فإن هذه التعديلات سوف تؤثر في زيادة خسائر السنوات السابقة، خاصة 2014 ولكنها أيضا سوف تحسن من أرباح عام 2015 وهو ما أعلنته الشركة بالضبط.

لعل هذا التقرير واستجابة "موبايلي" للتعديلات ينهي مأساة "موبايلي" وأنها عادت إلى المسار الطبيعي ويعكس جدية الإدارة في ذلك لكنه يفتح الباب على مصراعيه أمام التساؤل الخطير عن حجم تأثير المعايير السعودية في الشركات الأخرى، ولماذا لم تعلن شركات مثل الاتصالات السعودية وزين وعذيب عن وضعها مع المعيار الدولي رقم (15)؟ ثم هل هناك ممارسات في الشركات على نحو ما قامت به "موبايلي" في رسملة الأصول الضخمة وتأثير الزمن فيها؟ كل هذه الأسئلة وغيرها أكثر لم تزل بلا إجابة قريبة.

لكن أكثر ما أثق به الآن بعد مأساة "موبايلي"، أنها لن تكون الأخيرة أبدا، طالما نحن نتلكأ في القيام بدراسات جادة ودعم البحث المحاسبي وتقوية العلاقة بين المؤسسات المنظمة لهذه المهنة والجامعات السعودية، طالما نحن نتردد كثيرا في التجاوب مع التغيرات العالمية على أساس أن لنا خصوصية لم يقم عليها دليل.

* نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.