.
.
.
.

إنعكاسات التضخم في الدول المتقدمة على الأسعار في البلدان العربية

ذكاء مخلص الخالدي

نشر في: آخر تحديث:

تشهد غالبية الدول المتقدمة، خصوصاً الإتحاد الأوروبي واليابان، إنخفاضاً في معدلات التضخم التي أصبحت سالبة في بعض الأحيان. ويشكّل انخفاضها مشكلة في هذه الدول لأنه يعبّر عن ركود اقتصادي (يُعرَّف بأنه الحالة التي تتجه فيها الأسعار إلى الإنخفاض مع طلب ضعيف، ويكون الاقتصاد في وضع تقلّص وليس توسّع). بينما يسجل ارتفاع في أرقام التضخم في العالم العربي، بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي، إذ سجلت أسعار التجزئة على أساس سنوي في نيسان (أبريل) الماضي 24,3 في المئة في السودان و11 في المئة في مصر. وفي دول مجلس التعاون سجلت في شباط (فبراير) الماضي ما بين 3,6 في المئة في دولة الإمارات، و1 في المئة في عُمان. وبينهما سجلت الكويت 2,9 في المئة وقطر 2,8، والبحرين والمملكة العربية السعودية 2,1 في المئة لكلٍّ منهما. ويفترض بعض الاقتصاديين أن تصبح معدلات التضخم في الخليج صفراً لأنه يستورد معظم حاجاته من الخارج ومن دول تبلغ فيها معدلات التضخم صفراً أو دونه. ويفسر عدم انخفاض معدلات التضخم في دول مجلس التعاون بسببين أساسيين: الأول إحتكار الأسواق غالبية السلع من محتكر واحد أو مجموعة صغيرة من التجار، والثاني كبر حجم الإنفاق الحكومي.

وفي وقت أؤيد أهمية العاملَين في تحديد معدلات الأسعار في دول مجلس التعاون، لا بد من وقفة أكثر تأملاً لتحديد أسباب عدم انعكاس معدلات التضخم المنخفضة في الدول المتقدمة على معدلات الأسعار في الدول العربية.

لا بد من الاعتراف أولاً بأن الطريقة التي يتم فيها احتساب معدلات التضخم في الدول المتقدمة أكثر تعقيداً من الطرق المبسطة المستخدمة في الدول العربية. ويشمل التعقيد ليس فقط عدد السلع والخدمات التي يغطيها الرقم وسعة المناطق وحجم العينات المشمولة وإنما أيضاً طريقة الاحتساب. كما أن الدول المتقدمة سواء استخدمت أسعار التجزئة (Retail Price Index)، أو أسعار المستهلك (Consume Price Index)، تُحدِّث المسوحات التي يتم على أساسها وضع الأوزان لكل فقرة من فقرات الإنفاق سنوياً. بينما لا يحصل في غالبية الدول العربية، إن لم يكن كلها، تحديث سنوي لهذه المسوحات وإنما قد يستمر استخدام الأوزان العائدة لمسوحات قديمة على رغم فقدان صلاحيتها بسبب تغير في نمط الاستهلاك و/أو في أسعار السلع المشمولة بالمسح بحيث لا تعود نسبة الإنفاق على كل سلعة هي ذاتها.

إضافة إلى ما سبق، فإن المحاولات الحثيثة التي تبذلها الجهات المعنية في الإتحاد الأوروبي وخصوصاً دائرة الإحصاءات الأوروبية (Eurostat)، للتنسيق بين الأرقام القياسية لأسعار التجزئة في الدول الأعضاء حتى تصبح المقارنة بينها أمراً سهلاً تضيف مزيداً من التعقيد على طريقة إعداد هذه الأرقام. ففي عام 1996، دخل مفهوم الأرقام القياسية المتجانسة لأسعار المستهلك (Harmonised Index of Consumer Prices) (HICP)، وتم تطوير هذه الأرقام على امتداد دول الاتحاد الأوروبي لتحديد ما إذا كانت الدول الراغبة مستقبلاً في الانضمام إلى الوحدة النقدية الأوروبية تنجح في اختبار معيار تقارب معدلات التضخم (Inflation Convergence)، كذلك لاستعماله كقياس للتضخم من قبل البنك المركزي الأوروبي لتحديد استقرار الأسعار في منطقة الإتحاد. وفي كانون الأول (ديسمبر) 2003، قررت المملكة المتحدة إعادة استخدام اسم الرقم القياسي لأسعار المستهلك (CIP)، في كل نشراتها الإحصائية الوطنية بدلاً من(HCPI)، مع الإبقاء على طريقة إعداده ذاتها.

كما توجد فروقات في شمولية معدلات التضخم بين الدول المتقدمة، إذ أشارت مقالة نشرت في شباط 2015 الى ان الاتحاد الأوروبي، في وقت يغوص في الركود، ما زال بعيداً عن اهتمام الولايات المتحدة في الوقت الحاضر. فالأخيرة تستثني من معدلات التضخم كل المكونات التي تتقلب أسعارها في شكل سريع مثل الغذاء والطاقة، بينما تستثني منطقة اليورو السكن (الإيجار الذي يدفعه السكان الذين لا يملكون دور سكن والإيجار الافتراضي الذي كان يمكن أن يدفعه أصحاب البيوت لو لم يكونوا مالكيها). ولو تقوم الولايات المتحدة باستثناء السكن من الأرقام القياسية لأسعار التجزئة فيها، فإن الأخير سيبدو مختلفاً عن وضعه الحالي، ويصبح الركود الاقتصادي تهديداً للولايات المتحدة كما هي الحال في الإتحاد الأوروبي.

من هذه المعطيات، يمكن الاستنتاج أن من الصعب توقّع أن تكون معدلات التضخم في بلدان مصدرة هي ذاتها في البلدان المستوردة إلا إذا كان هناك تجانساً في الشمول وفي طريقة الاحتساب. أضف إلى ذلك، أن لكل بلد خصوصياته وظروفه التي تنعكس على مستوى الأسعار إضافة إلى تكاليف الشحن والتأمين.

وتشير الأرقام المنشورة في نشرة الإحصاءات المالية الدولية التي يصدرها صندوق النقد الدولي، الى أن معدلات التضخم في الدول العربية عام 2014 مقارنة بالسنوات الأربع التي سبقتها، كانت الأدنى في الجزائر والبحرين والأردن والكويت والمغرب وعُمان والمملكة العربية السعودية. وشهدت ارتفاعاً طفيفاً في جيبوتي وقطر، بينما ارتفعت بشكلٍ كبير في السودان وتونس ومصر واليمن. ويعود ذلك إلى عوامل محلية. ففي السودان، يعود العامل الرئيس للتضخم إلى تأثير رفع الدعم عن الوقود وانخفاض قيمة الجنيه السوداني. وفي تونس ارتفعت الأسعار نتيجة زيادة الأجور التي أقرتها الحكومات المتعاقبة منذ العام 2011 (من المعروف أن السعر يتكون من أرباح وأجور، فإذا ارتفع أحد هذين المكونين أو كلاهما ترتفع الأسعار). وفي مصر واليمن تسبب ارتفاع أسعار المحروقات والسلع الأساسية في ارتفاع المعدل العام للأسعار بسبب التوجهات الحكومية لإصلاح نظم دعم السلع الأساسية.

* نقلا عن صحيفة "الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.