.
.
.
.

سمات الأذكياء ماليا

طلال الجديبي

نشر في: آخر تحديث:

يستخدم مفهوم الذكاء المالي بأكثر من طريقة للإشارة إلى مفهوم أصيل لا غنى لأي فرد عنه. وعلى الرغم من أن مفهوم الذكاء المالي يتناول مجموعة من المهارات الحياتية الأساسية، إلا أن الكثيرين يفشلون في تطبيقه أو حتى ممارسة الحد الأدنى من سلوكياته، ما يعرضهم للفشل والخسائر وربما البؤس كذلك. يرى هذا الأمر على سبيل المثال فيمن يفشل في تحسين مستوى دخله أو من يقع ضحية للديون المتراكمة.

وبدلا من محاولة شرح هذه التطبيقات التي تتناولها اليوم كتب ودورات الإدارة المالية الشخصية مستخدمة مصطلح "الذكاء المالي" كعبارة جذابة لافتة للانتباه، سأتطرق إلى سمات الأشخاص الذين يمكن وصفهم بالأذكياء ماليا، والذين تفيض مداخيلهم عن مصروفاتهم بطريقة محسوبة، وتستمر ثرواتهم في النمو. تتكون هذه السمات أساسا من خصائل شخصية متوائمة مع واقع الحياة والتحديات الحقيقية التي نواجهها كل يوم وهي بلا شك تتفق مع سمات الشخصية الناجحة المنضبطة التي تحسن التواصل وتبذل الجهود باقتدار.

أولى هذه السمات هي القدرة على التعلم السريع. من "يلقطها وهي طايرة" ويفهم ما يدور حوله ويستطيع التأقلم واستيعاب المتغيرات من حوله سيكون بلا شك أفضل من غيره الذي يسمح لنفسه بأن يعيش في العزلة والجهل. أصبح هذا الأمر اليوم أسهل من السابق بتوافر المعلومة المتاحة عن طريق عدد كبير من الوسائط المختلفة، غير أن الوصول إليها يتطلب قدرا أكبر من التركيز – بسبب كثرة واضطراب المعلومات المتداخلة ـــ وقدرا معتبرا من الإرادة.

المنطق المالي والقدرة على التفريق بين ما هو لك وما هو عليك من السمات الشخصية الضرورية التي قد تتطور وتصل إلى الحكمة المالية العظيمة. الماديات ذات طبيعة خداعة على الرغم من أنها مجرد ماديات يسهل حسها وقياسها، ولكن التصورات التي نبنيها عن الأموال وما قد تفعله والتأثيرات الجانبية التي تغير من الأحكام التي نطلقها حول قيمة الأشياء هي ما يقوِّض منطقنا المالي، فنصبح حينها متأثرين بغيرنا ونفقد القدرة على الاستفادة مما تعلمناه. وهذا بدوره قد يتحول إلى ازدواجية في التعامل أو ضبابية في الفهم فيصبح الدَّين مكسبا والمضاربة استثمارا والادخار بخلا والكرم هدرا وتبذيرا.

تتعاظم كذلك شجاعة صنع القرار لدى الأذكياء ماليا، خصوصا إذا ما وجدوا أنفسهم في أكثرية مجتمعية لا تواكبهم بمستويات ذكائهم المالي نفسه. يصنع الذكي ماليا قراراته بانفراد عن معظم الأفراد الذين اعتادوا أن يقدموا له النصيحة، أو يستخدم نصيحة المختصين والمستشارين الذين لا يرتبط بهم بالارتباطات العاطفية نفسها التي تربطه بغيرهم؛ وهذا أمر يتطلب قوة في آلية إصدار القرار وشجاعة في تنفيذه.

يحسن الأذكياء ماليا تقدير الزمن وتأثيراته. حياتهم لا تقتصر على اللحظة ولكنها لا تنشد الخلود كذلك. هم يحسنون التعامل مع بعدين مهمين، الأول، أن الاحتياط واجب حياتي والإنجازات المالية لا تقاس إلا على المدى الطويل الذي يتكون بالطبع من فترات متتابعة يمكن تقسيمها حتى تصل إلى مستوى اللحظة القصيرة التي يتم التحكم فيها كما يتم التحكم في الفترات الأطول. البعد الثاني، الاعتقاد أن الواقع يتغير مع مرور الوقت، فالنقود تفقد قيمتها ـــ وهكذا ينتج الوعي بمخاطر التضخم ويحتاط له ــــ والأذواق تختلف والأولويات تتبدل؛ السياسة المالية الجيدة تأخذ كل هذا في الاعتبار.

ينجح هؤلاء أيضا في المحاسبة الذاتية، فهم لا يهربون من مواجهة أنفسهم ويلتزمون بتقييم سلوكياتهم بطريقة دورية تيسر لهم فهم ما حصل واستباق ما سيحصل. هذا من طبيعة الحصيفين الذين يتعلمون من ماضيهم ويحتاطون للمستقبل بالتخطيط الجيد والدقيق. يشوه المحاسبة الذاتية الشعور بالأسى وربما يبالغ البعض في جلد الذات، إلا أن هذه الأمور المزعجة يمكن التغلب عليها بتنظيم أسلوب محاسبة الذات والتعامل معها باحترافية شخصية ووضوح وصدق مع النفس. التغلب على العادات السلبية ـــ مثل السخط والتعبير عن اليأس والهرب من مواجهة الذات ــــ بمواجهة التحديات والتقييم الذاتي والرصد الكتابي والاستشارة كفيل بتكوين مهارات إيجابية وعادات طيبة تصنع الفارق.

وأخيرا، لا يخاف الأذكياء ماليا من التزود من المهارات المالية الفنية التي تمكنهم من إجادة التعامل بقدر كاف من التفصيل مع أوضاعهم الخاصة. فهم طرق الكسب والادخار وتفاوت العوائد والمخاطر يتطلب عديدا من المهارات المتخصصة التي لم تعد حصرا على المتخصصين. النجاح الحياتي والوصول إلى الحرية المالية حق للجميع ولكن ذلك يستوجب بعض التعمق الماتع في المستجدات والظروف التي تحيط بنا. أما التردد والخجل وربما الهرب من مواجهة هذه التحديات يجعلنا نفشل بمحض إرادتنا، وهو أمر لا يستحقه ولا يريده أحد.

* نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.