.
.
.
.

بورصة الصين تعاني لكنها ليست في أزمة

عامر ذياب التميمي

نشر في: آخر تحديث:

شغل التراجع الكبير الذي شهدته في الأسابيع الأخيرة سوق الأوراق المالية الصينية الاقتصاديين، وحاول هؤلاء تفسير الظاهرة. ويُرجّح أن التراجع انعكاس لتباطؤ معدلات النمو الاقتصادي في العملاق الآسيوي خلال السنوات القليلة الماضية، عن مستوياته القياسية التي سجلها خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

طبقت الصين نظاماً اشتراكياً صارماً بين انتصار الثورة الشيوعية فيها عام 1949 ووفاة زعيمها ماو تسي تونغ عام 1976. ولا شك في أن مظاهر الحكم الشيوعي الشمولي في الصين برزت أكثر من أي وقت خلال «الثورة الثقافية» (1966 - 1976) حين اتُّخذت إجراءات معادية وقاسية بحق كل من كان يتَّهم بعدم الالتزام الحرفي بمبادئ الماركسية أو يُشَك بتحيزه إلى القيم التقليدية في المجتمع أو بتأييده النظام الاقتصادي الرأسمالي. وأدت تلك «الثورة» إلى تخريب واسع النطاق للحياة الاقتصادية وعطلت عمليات الإصلاح البنيوي الذي أرادت الإدارة الاقتصادية تطبيقها من أجل تفعيل نشاطات مختلف القطاعات.

وبعد وفاة ماو عملت القيادة السياسية لتحرير البلاد من تلك النزعات اليسارية المتطرفة ودفعت إلى بناء اقتصاد عصري يمكّن من تطوير إمكانيات البلاد ويرفع مستويات المعيشة ويجعل الصين بلداً ذا مكانة اقتصادية مرموقة بين البلدان الرئيسة في العالم، كالولايات المتحدة واليابان وبلدان في الاتحاد الأوروبي. وخلال العقود الثلاثة الماضية من الزمن اندفعت الصين في تطبيق منظومة اقتصادية أطلِق عليها اسم «اقتصاد السوق الاجتماعي»، وحققت البلاد معدل نمو اقتصادي متسارع يقدَّر بـ 10 في المئة سنوياً، فبلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 10 تريليونات دولار في 2013 و12 تريليون دولار في 2014، فأصبحت الصين الدولة الثانية بعد الولايات المتحدة لجهة حجم الناتج.

ونظراً إلى الكتلة السكانية الضخمة في الصين، التي سجلت 1.4 بليون شخص نهاية تموز (يوليو) 2014، قُدِّر الدخل السنوي للفرد بنحو 8200 دولار. ولا تعاني الصين أزمة بطالة حالياً، فالعاطلون من العمل لا يزيدون على أربعة في المئة من إجمالي قوة العمل، كما لا تزيد نسبة من يصنَّفون «ما دون خط الفقر» عن ستة في المئة من إجمالي السكان. يضاف إلى ذلك أن أعداد المنخرطين في الطبقة الوسطى في تزايد مطرد.

وتمكنت الصين من بناء أرصدة وأصول مالية مهمة بعد قفزة التصدير وحصدت فوائض مالية من علاقاتها التجارية مع بقية بلدان العالم، خصوصاً البلدان الرأسمالية الرئيسة، وقُدِّرت احتياطات الصين المالية بـ 3.7 تريليون دولار مطلع آذار (مارس) 2015. وتملك الصين صناديق سيادية مهمة تُعتبَر من أكبر الصناديق في العالم، وتمكنت من اقتناء أصول أساسية مثل سندات الخزانة الأميركية، ناهيك عن أسهم حقوق الملكية في شركات عالمية عملاقة.

بنت الصين هذه الأصول بفعل التصدير والعلاقات التجارية المتينة مع أسواق استهلاكية فاعلة، فخلال 2014 بلغت قيمة الصادرات الصينية 2.34 تريليون دولار في حين سجلت قيمة الواردات 1.96 تريليون دولار، أي أن فائض حساب الميزان التجاري وصل إلى 370 بليون دولار.

بعد كل هذه المعالم الاقتصادية والمالية الإيجابية، لماذا القلق على أداء الاقتصاد الصيني؟ هل يمكن أن يتراجع معدل النمو إلى نسبة متواضعة قياساً بما تحقق على مدى العقود الثلاثة الماضية؟ خلال الربع الثاني من هذا العام بلغ معدل النمو سبعة في المئة مقارنة به قبل سنة، وهذا المعدل مقبول من الإدارة الاقتصادية في الصين. لكن هل يمكن الاطمئنان إلى البيانات الاقتصادية التي تنشرها الحكومة، بعدما بيّن متخصصون أن ثمة تضخيماً للنتائج؟

يبدو أن سوق المال هي أول ضحية لتراجع الأداء الاقتصادي، فالمؤشر هبط منذ منتصف حزيران (يونيو) بنسبة 30 في المئة. لكن هذا المؤشر ما زال أعلى بنسبة 65 في المئة عن مستواه قبل سنة. لذلك تظهر أسعار أسهم الشركات المدرجة مرتفعة قياساً بأسعار أسهم الشركات المماثلة في بقية دول العالم.

هل يمكن أن تعوّم الحكومة الصينية السوق من أجل تجميل صورة الاقتصاد الصيني والحفاظ على مظاهر لا تمت للاقتصاد الحقيقي بصلة؟ ثمة محاولات لدعم سوق الأوراق المالية من خلال إجراءات وآليات متنوعة لكن لن يكون ذلك صحياً لتطوير اقتصاد يعمل وفق معايير اقتصادية وفنية مشروعة. ثمة شركات صينية كثيرة بدأت تظهر تدهوراً في الإيرادات ومن ثم في الأرباح الصافية، لكن المطلوب هو البناء على ما تحقق من إنجازات ملموسة تراكمت منذ نهاية سبعينات القرن الماضي، ونقلت الصين من الاقتصاد الشمولي إلى اقتصاد منفتح يعتمد على التجارة مع العالم الخارجي ويجذب رؤوس الأموال الأجنبية لتوظيفها في أعمال صناعية وخدمية متنوعة.

هذا التطور نتج من تراجع دور الدولة في الحياة الاقتصادية بنسبة لا بأس بها، لذلك فإن تعزيز التحرر من دور الدولة وتدخلاتها يشكل العلاج للظواهر غير الحميدة التي برزت في الحياة الاقتصادية الصينية. لا يمكن أن يكون تعويم السوق أو دعم المتعاملين بالأموال الرخيصة أو دعم سعر صرف العملة من الآليات المناسبة إذا أراد الصينيون أن يحافظوا على مكانتهم الاقتصادية.

* نقلا عن صحيفة "الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.