إصلاحات العراق ودور القطاع الخاص

عدنان كريمة
عدنان كريمة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

مع إصرار رئيس مجلس الوزراء العراقي حيدر العبادي، على تنفيذ إصلاحات جذرية لضبط الهدر المالي، ومحاربة الفساد، ومحاكمة الفاسدين، ووضع حدّ للإنفاق الحكومي غير المبرر، وحصوله على دعم مجلس النواب لمسيرته الإصلاحية، تبرز في شكل ملحّ ضرورة تنفيذ إصلاح اقتصادي وفق أسس حديثة، بما يضمن استثمار الموارد وتنويع مصادر الدخل بدلاً من الاعتماد فقط على النفط، الذي تغطّي إيراداته نحو 93 في المئة من موازنة الدولة السنوية.

ووفــق مصادر برلمانية، أهدرت الحكومات السابقة نحو تريليـون دولار خلال 10 سنوات (2004 – 2014)، منها 800 بليون دولار من موازنات العراق النفطية، ونحو 200 بليون دولار من المنح والمساعدات، وتبيّن من الأرقام الرسمية أن موازنات الدولة الفيديرالية بدأت منذ 2005، أي بعد تشكيل أول حكومة منتخبة، بـ30 بليون دولار، ثم ارتفعت في شكل تدريجي إلى 33.7 بليون دولار في 2006، والى 41 بليوناً عام 2007، و48 بليوناً عام 2008، و58 بليوناً في 2009، ثم قفزت إلى أكثر من 118 بليوناً عام 2013، والى 150 بليوناً عام 2014، وهي أعلى موازنة في تاريخ العراق.

ومع الخسائر الناتجة من الدمار واستمرار الحرب والعمليات العسكرية، وسيطرة «داعش» على مساحات واسعة واستغلال مواردها، وسرقة أموال مؤسسات حكومية، إضافة إلى فقدان نصف عائدات النفط بسبب تراجع الأسعار، فضلاً عن تحمّل أعباء التدهور الاقتصادي والاجتماعي، وعجز موازنة 2015 الذي يزيد عن 30 بليون دولار، تواجه حكومة بغداد أزمة مالية كبيرة، خصوصاً أن لدى الدولة أكثر من خمسة ملايين موظّف تتحمّل أعباء رواتبهم، وهو عدد كبير قد لا يوجد في دول تفوق العراق في تعداد السكان.

وبسبب أزمة السيولة المالية، اضطرت الحكومة إلى تسديد جزء كبير من الديون المستحقّة عليها إلى شركات النفط بمنحها كميات من الإنتاج، وجزء آخر بموجب سندات خزينة، وتدرس حالياً باهتمام بالغ إمكان استثمار الودائع المصرفية التي تبلغ نحو 30 تريليون دينار (25 بليون دولار) لتأمين السيولة اللازمة لمدفوعاتها. إضافة إلى ذلك، تدرس لجنة الاقتصاد والاستثمار في البرلمان العراقي خططاً استثمارية تشمل أصولاً من أراض وأبنية في مناطق تجارية، لاستثمارها من القطاع الخاص، علماً أن في العراق حالياً أكثر من 174 شركة مملوكة للدولة، منها 80 في المئة خاسرة، وهي تستدين لدفع رواتب موظفيها البالغ عددهم نحو 682 ألف موظف، وبلغ إجمالي الديون المترتّبة عليها لمصرفي «الرافدين» و «الرشيد» نحو 11 بليون دولار.

كذلك، يتّجه الإصلاح الاقتصادي إلى اعتماد رؤية وطنية مشتركة بين القطاعين العام والخاص، تتجاوز الاعتبارات السياسية والمصالح الفئوية والشخصية الضيّقة، وتأمين انتقال تدريجي لمختلف القطاعات يعيد التوازن الى مصلحة القطاع الخاص، وبأقل الأضرار والتداعيات السلبية. ويهدف الإصلاح الاقتصادي إلى تغييرات هيكلية تتركز على قطاعات كثيرة، أهمها المصارف الخاصة لجهة تفعيل دورها في تنمية نشاط القطاع المصرفي والمساهمة في إعادة إعمار العراق.

يضمّ العراق حالياً 55 مصرفاً و49 مؤسسة مالية واستثمارية، بينها 18 مصرفاً عربياً وأجنبياً، لكن عددها لا يبدو منسجماً مع عدد السكان، ويبرز في هذا المجال تخلّف الشعب العراقي في اللجوء إلى العمل المصرفي، إذ يقدّر عدد السكان بـ35 مليون شخص، منهم 80 في المئة لا يملكون حسابات مصرفية، ويوجد 900 فرع مصرفي متمركزة جغرافياً في عواصم المحافظات وبعض المدن الرئيسية، وتدل البيانات على أن الفرع الواحد يخدم نحو 45 ألف شخص في العراق، مقارنة بلبنان الذي يخدم فيه كل فرع أربعة آلاف شخص.

وفي هذا المجال، لا بد من الإشارة إلى وجود تشوّهات بنيوية في القطاع المصرفي العراقي، منها أن المصارف الحكومية وعددها سبعة مصارف، تسيطر على 90 في المئة من موجودات القطاع، تاركة فقط 10 في المئة لنحو 48 مصرفاً في القطاع الخاص، ولا تكتفي المصارف الحكومية بودائع القطاع العام، بل تسيطر على 63 في المئة من ودائع القطاع الخاص، وتشكو المصارف الخاصة من قيود الحكومة التي تنحاز إلى مصارفها في النشاط المالي، إضافة إلى امتناع إدارات الدولة عن قبول الصكوك التي تزيد قيمتها عن 25 مليون دينار والمحسوبة على مصارف القطاع الخاص لتسديد أي مبالغ مستحقّة لهذه الإدارات، وحصرها بصكوك صادرة عن المصارف الحكومية، ومن أهم الصعوبات التي تواجهها معظم المصارف عجزها عن استرداد القروض من المدينين، بل وتعذّر الاسترداد في معظم الأحيان، حتى لو كسب المصرف قراراً قضائياً ببيع الضمانات، وذلك لأسباب تتعلّق بالوضع الأمني والضغوط الاجتماعية.

ووفق تقرير رابطة المصارف الخاصـــة، تتركز خطة التطوير لــدى المصـــارف فــي محـــورين رئيسيين. يتركــــز الأول على بنــــاء البنية التحتية للقطاع المصرفي بإشراف مباشر من المصرف الـــمركزي، من طريق تعديل التشريعات القانونية، خصوصاً القـــانون رقم 94 لعام 2004 والذي ينظّم عمل المصارف، وقوانين أخـــــرى ذات العلاقة، مثل قانون الشركات، وقانون الضرائب، وقانون مكافحة غسل الأموال، وإصدار قانون للمصارف الإسلامية.

الثاني، يتمثّل بجهود المصارف في التطوير ووضع الخطط، مع التركيز على استخدام التكنولوجيا الحديثة في العمل المصرفي. وكان المصرف المركزي العراقي يأمل بأن تكون البنية التحتية للجهاز المصرفي مهيأة في النصف الأول من 2015، لاستقبال كل الخدمات الحديثة والمتطورة في آخر تطبيقات العمل المصرفي في العالم، لكن يبدو أن عدم الاستقرار الأمني والسياسي واستمرار العمليات العسكرية، لم يسمحا بتحقيق هذا الهدف.

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.