.
.
.
.

فقاعة الأسهم الصينية .. وطمأنة أسواق المال

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:

تضخمت أسعار الأسهم الصينية خلال الأعوام الماضية وتحولت مع مرور الوقت إلى فقاعة انفجرت أخيرا وأدت إلى قلق في جميع أرجاء العالم حول الاقتصاد الصيني. وعمق تخفيض الحكومة الصينية ـــ على الرغم من صغر نسبته ـــ من معدل صرف الرنمنبي مقابل الدولار من مخاوف الأسواق العالمية حول الاقتصاد الصيني. وما زال الكثير من وسائل الإعلام الصيني أحادي النظرة، وعدد من المسؤولين المتشبثين بعقليات الدعاية الاشتراكية والحرب الباردة يلقون اللوم على جهات أجنبية في التسبب في تراجع الأسهم، ويتناسون بل ويتغافلون عمدا عن دور السياسات المحلية والمتعاملين الصينيين في حدوث فقاعة الأسهم الصينية وانفجارها. وقد لعب الاقتصاد الصيني دورا حيويا متزايدا في الاقتصاد العالمي، حيث تحتل الصين المركز الأول في التجارة العالمية، وتباطؤ اقتصادها سيؤثر في النمو العالمي وخصوصا الدول المجاورة للصين في آسيا. ودفع النمو الاقتصادي الصيني في زيادة الطلب على الموارد الأولية وأهمها النفط، حيث ساهم النمو القوي للطلب الصيني على النفط في رفع أسعاره. وسيبطئ تراجع النمو الاقتصادي الصيني وما يتبعه من آثار جانبية في نمو الاقتصاد العالمي من نمو الطلب العالمي على النفط وإطالة فترة تراجع أسعاره.

وعانت أسواق المال الخليجية أخيرا تراجعات في مؤشراتها، ويرجع الكثير من المتعاملين في هذه الأسواق والمختصون نزول مؤشرات الأسهم الأخير إلى عوامل أساسية متعددة أهمها تراجع أسعار النفط وازدياد توقعات استمرار تراجعها لفترة من الزمن يصعب على الأسواق تحديدها. وما زال النفط يشكل عصب الحياة في الدول والاقتصادات الخليجية. وسيقود تراجع أسعاره إلى تراجع التوقعات المستقبلية بخصوص النمو ومستويات الناتج القومي والدخل والإنفاق الحكومي في دول المجلس. والأهم من ذلك تغير السياسات التي ستنتج عن هذه التراجع، فتراجع أسعار النفط يعني تراجع الإيرادات الحكومية ما سيقود غالبا إلى تراجع الإنفاق الحكومي الذي يعتبر القاطرة الرئيسية التي تجر الاقتصادات الخاصة في دول المجلس. وتراجع الإنفاق الحكومي قد يقود إلى تراجع الإنفاق على الخدمات والتوظيف والدعم والمشاريع المستقبلية. وهذا سيخفض مشاريع البنية الأساسية التي ستخفض أنشطة البناء والتشييد المترابطة مع قطاعات واسعة في الاقتصاد. وتراجع الإنفاق الحكومي قد يقود أيضا إلى خفض نمو أو مستويات الدعم والتوظيف ودخول الموظفين والتحويلات إلى الأسر، ما سيخفض نمو أو مستويات دخول الأسر ويخفض من الطلب الكلي على السلع والخدمات في القطاع الخاص.

وقد تحاول الحكومات الإبقاء على الإنفاق الحكومي عند مستويات قريبة أو مساوية للمستويات السابقة لتراجع الإيرادات النفطية، ولكن هذا يتطلب استحداث إيرادات جديدة وكثيرة يتضمن فرض رسوم أو ضرائب وإلغاء الدعم الضخم في بعض القطاعات كدعم المشتقات النفطية. وستولد هذه الأدوات موارد إضافية، ولكنها لن تكون كافية لمواجهة النقص الحاد في الإيرادات الناتج عن تراجع أسعار النفط. كما أن إلغاء الدعم في بعض القطاعات كقطاع الوقود المحلي يلزم تنفيذه كبرنامج إقناع طويل الأمد. ويفضل إصلاح سياسات دعم الطاقة في أوقات الذروة الاقتصادية وليس في أوقات التراجع الاقتصادي. وستفكر بعض الدول الخليجية أو تلجأ إلى فرض رسوم أو ضرائب جديدة ولكن تأثيرها سيكون محدودا في المالية العامة وسلبيا في نمو القطاع الخاص خصوصا في أوقات تراجع الطلب الكلي في الاقتصاد.

وقد بدأ العديد من دول المجلس بما فيها المملكة بالسحب من الاحتياطيات العامة، للإبقاء على مستويات الإنفاق عند مستويات داعمة للنمو وعدم المساس بالمنافع والدعم والتحويلات والتوظيف التي تمس مستويات معيشة الأسر. وهذا حل جيد ولكن القدرة على الاستمرار فيه محدودة، حيث إن إيرادات النفط تراجعت بنحو النصف ما يعني أن الاحتياطيات التي بنيت خلال العقد الماضي ستنزف خلال عامين فقط. وقد لجأت بعض الدول الخليجية بما فيها المملكة إلى الاقتراض كإجراء للحد من استنزاف الاحتياطيات العامة للدولة.

إن التراجع الكبير في الإيرادات النفطية ـــ الذي قد يستمر لفترة من الزمن ـــ يتطلب وضع برنامج تكيف شامل للمالية العامة، يوضح للجمهور وبشكل شفاف ومحترف ومقنع السياسات والأساليب والأدوات المالية في التعامل مع تراجع إيرادات النفط.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.