.
.
.
.

إصلاحات ضرورية في منطقة اليورو

ذكاء مخلص الخالدي

نشر في: آخر تحديث:

بعدما دخل اليورو التداول بوقت قصير، صرّح رئيس مفوضية الاتحاد الأوروبي آنذاك رومانو برودي، في كانون الثاني (ديسمبر) 2001 إن «اليورو سيجبرنا على إدخال مجموعة جديدة من أدوات السياسية الاقتصادية التي من المستحيل سياسياً اقتراحها الآن. ولكن في يوم ما ستحصل أزمة وسنضطر إلى خلق أدوات جديدة». وها هي الأزمة قد حصلت بأسرع وربما بأعنف مما توقع برودي، وكادت تفكك الاتحاد الأوروبي برمته، وما زال خطرها قائماً على رغم الجهود المضنية التي تبذل للخروج منها. إذ أظهرت الأزمة اليونانية الأخيرة أن لا أحد من دول منطقة اليورو يريد العودة إلى الوراء والخروج من اليورو، على رغم ان بعضها يتمنى ربما، لو أنه لم يشترك فيها أصلاً. لذلك، فلا الدول الغنية ولا الدول الضعيفة اقتصادياً في منطقة اليورو ترغب في الخروج منها. بل على العكس فإنها متشبثة به الآن أكثر من أي وقت مضى.

لذلك، لا شك في أن المعنيين بالشأن الاقتصادي في منطقة اليورو من باحثين وصنّاع قرار، غير مهتمين حالياً فقط بكيفية معالجة مشكلة الديون السيادية لبعض الدول الأعضاء، وإنما أيضاً يبحثون عن نوعية الإصلاحات أو السياسات الجديدة التي أشار إليها برودي حتى لا تتكرر المشكلة مجدداً. ولكن حتى الآن لم يتم الإعلان رسمياً عن سياسات جديدة سيتم تطبيقها مستقبلاً.

وفي مقال افتتاحي للصحيفة الفرنسية الأسبوعية «جورنال دي ديمانش» نشر في تموز (يوليو) الماضي، كتب الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند «إن ما يهدد الوحدة النقدية الأوروبية هو ليس الإفراط في الصيغة الأوروبية وإنما عدم كفايتها». وقصد من ذلك أن منطقة اليورو تحتاج إدارة أوروبية مركزية أكثر مما يجري حالياً حيث تتصرف الدول الأعضاء باستقلالية كبيرة في إدارة شؤون اقتصادية تتأثر بنتائجها كل المنطقة. لذلك طالب بتشكيل حكومة لمنطقة اليورو بموازنة محددة وبرلمان لضمان سطوتها الديموقراطية. وأشار الى أن اقتراحه هذا هو إحياء لفكرة رئيس المفوضية الأوروبية السابق جاك ديلور.

أعود وأكرر اليوم أن الوحدة النقدية الأوروبية لم يتم استعجالها فقط وتشجيع دول غير مؤهلة اقتصادياً بعد للانضمام إليها، وإنما جاءت ناقصة. فتبني عملة موحدة وبنك مركزي موحد لم يواكبه تأسيس وزارة مال موحدة. وهذا هو جوهر مشكلة ديون بعض الدول في منطقة اليورو التي راكمت حكوماتها ديوناً سيادية كبيرة بسبب فقدان الجهة الموحدة التي يمكنها التحكم بإصدارات هذه الديون ومنعها من الوصول إلى الحجم الذي وصلت إليه حتى انفجرت، ليس في وجه الدول المدينة فقط، وإنما في وجه كل دول المنطقة.

لا شك في أن دول منطقة اليورو أدركت الآن، خصوصاً بعد الأزمة اليونانية وانعكاساتها، أن هذا النقص لا بد من معالجته وعدم التهاون به لأي سبب كان. لذلك، أرى أن تكون الخطوة التالية أو السياسة الجديدة التي يجب أن تنفذها منطقة اليورو، هي تأسيس وزارة مال أوروبية. ومن دون الدخول في تعقيدات الآلية التي ستعمل بها هذه الوزارة، فإن هدفها ليس تجميع الإيرادات من الدول الأعضاء وتوزيعها بين أنواع النفقات، إنما تقتصر مهمتها في المرحلة الراهنة، وحتى تشهد المنطقة تطورات أكبر في المستقبل على مستوى الاندماج الاقتصادي، إدارة سياسة الدين العام للدول الأعضاء وتنفيذها، وعدم السماح لأي دولة عضو بإصدار ديونها السيادية، بل تكون هي الجهة المعنية بذلك. وبهذه الطريقة يتم تحديد حجم الدَين المسموح به لكل دولة وسعر الفائدة، والحد الأعلى للديون التي يسمح للبنك المركزي الأوروبي بإعادة خصمها. يضاف الى ذلك، الدور الاستشاري لهذه الوزارة في كيفية تنمية الإيرادات المالية لكل دولة وترشيد نفقاتها. ومن المتوقع أن يتطور دور وزارة المال الأوروبية بتطور الوحدة النقدية في المستقبل. ولكن، على الأقل هكذا تكون البداية. وقد تكون هذه السياسة الجديدة أسهل تطبيقاً وأكثر عملية في الوقت الحاضر، من خطة تقترح تأسيس حكومة لمنطقة اليورو مع موازنة خاصة وبرلمان خاص كما اقترح الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند.

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.