.
.
.
.

حماية المدير من قنوات التواصل الاجتماعي .. كيف؟

محمد آل عباس

نشر في: آخر تحديث:

لم أعد أتصور أن مسؤولا في مؤسسة ما سواء كانت حكومية أو خاصة كبيرة أو صغيرة، وزارة أو هيئة أو مديرية، جامعة أو حتى كلية، يعمل ويدير ويخطط دون معرفة أو إدراك للمخاطر التي تحيط به وبمؤسسته. وفي عالم من القرارات السريعة لم يعد الكبير قادرا على أن يأكل الصغير بل أصبح السريع في قراراته هو القادر على أن يفترس البطيء فيها مهما كان حجمه. ولكن السرعة في اتخاذ القرار تتطلب جودة القرار نفسه وهذا يتطلب معلومات جيدة. المعلومات الجيدة لا بد أن تكون كافية وفي توقيت مناسب وأن تكون مناسبة للقرار. ولقد ظلت هذه العناصر الثلاثة مجرد تنظير فلسفي حتى جاء فكر إدارة المخاطر ليزيل اللبس الذي أحاط بهذه الخصائص الضرورية للمعلومات. فإذا كنا بحاجة إلى قرار سريع فنحن بحاجة إلى معلومات جيدة في وقت مناسب ولإنجاح هذا كله فنحن بحاجة إلى معرفة وتحليل المخاطر. يجب أن تكون قراراتنا في المستقبل مرتبطة بالمخاطر. ويمكن تطبيق هذا المفهوم الحديث بما يحدث اليوم في سوق الأسهم من تراجعات كبيرة، ليس القوي ولا الهامور هو الذي سينجح في السوق لكن فقط أولئك الذين يعرفون المخاطر جيدا ولديهم معلومات كافية عنها يمكنهم خوض غمار هذه الأسواق ولو كانت ثرواتهم محدودة جدا.

وبالعودة للسياق، فأنا لم أعد أتصور مسؤولا يتخذ قرارات بطيئة بعيدا عن معرفة كافية بالمخاطر. إن عالما من الإنترنت وقنوات التواصل الاجتماعي يجعل من المستحيل أن تكون إدارة الأصول والثروات والخدمات في ظل مستويات من القرار بطيئة جدا، فالجميع أصبح يتنافس على قرار جيد وسريع نسبيا يسبق فيه كل هذه الوسائل المتطورة. إن هذا يلقي بظلال من التحدي الهائل على من يريد أن يتسنم هرم عالم الإدارة، وفي المستقبل سيبقى فقط أولئك القادرون على حل هذه المعادلة الصعبة، بغض النظر عن الحجم والقوة والثروة التي تحت أيديهم. علم إدارة المخاطر بكل ملكاته يقدم أفضل الوسائل وأنجع الحلول لمواجهة هذا التحدي. إن أهم ميزات إدارة المخاطر هو ذلك السيل من المعلومات المنظمة والمرتبة منطقيا، التي تتعلق بكل هدف من أهداف المنظمة وما يدور في فلكه من أصول وموارد بشرية وأنظمة سواء كانت معلوماتية أو إدارية. فإدارة المخاطر تحلل كل هدف من حيث المخاطر المحيطة به، والمخاطر أحداث قد تقع في المستقبل القريب أو البعيد وتتسبب في عدم تمكن المؤسسة من تحقيق هذا الهدف، وبالتالي هدر كل ما تم عمله أو تخصيصه من موارد بشرية ومادية، وفي نهاية المطاف فشل إداري جزئي أو كامل. ولهذا فإن وظائف الإدارة تعمل بشكل سليم إذا كانت مصحوبة بصورة واضحة من تحليل المخاطر.

لعله من الواضح الآن أن إدارة المخاطر ترتكز على منظومة واضحة من الأهداف المحددة لكل مؤسسة، فدون أهداف واضحة لا يمكن للمؤسسة أن تعمل ابتداء وأن تخصص الموارد بشكل صحيح، ولعل غياب الأهداف المحددة بدقة يعد أكبر خطر يهدد أي مؤسسة سواء خاصة أو عامة، صغيرة أو كبيرة. وفي هذا سوف أضع مثالا بسيطا جدا حتى لا أعقد المقال، فهذا شاب يريد إنشاء مؤسسة خاصة، ومن المتوقع أن يكون الربح أهم أهدافه بلا شك، وبعيدا عن الأهداف الأخرى فإن عليه أن يخصص الموارد والأموال نحو تلك الأنشطة التي تحقق له أعلى ربحية. إن موظفا يختلس الأموال يمثل خطرا بلا شك، وموظفا آخر يتأخر عن العمل هو خطر آخر، وموظفا يتعمد التلاعب في الأسعار ولا يلتزم بها هو خطر إضافي، وموردا لا يلتزم بالتوريد في وقته هو خطر، وعدم وجود منظومة للحماية من الحريق خطر وعدم وجود آلية لكشف السرقة خطر أيضا، وهكذا في تحليل مستمر ومنظم لكل ما قد يحدث ويتسبب في عدم تحقيق هدف الربحية يعد خطرا بذاته. لكن روعة وجمال تحليل المخاطر أنه يذهب بعيدا في هذا نحو دراسة تأثير كل خطر على الهدف أو الأهداف المراد تحقيقها، ثم دارسة احتمال وقوعه. ستتشكل عن هذا كله صورة بديعة جدا عن المؤسسة تشبه صورة الرنين المغناطيسي في الأشعة الطبية، صورة واضحة عن أين تتركز المخاطر وعن درجة خطورتها، من السهل بعد ذلك اتخاذ القرارات السريعة وإجراء العلميات الصعبة نحو إنقاذ المؤسسة من الخطر، وعن حجم وتكلفة معالجة كل خطر.

هل نتصور بعد هذا الشرح المقتضب عن المخاطر أن مديرا في جامعة لا يعرف المخاطر المحيطة بجامعته أو تأثيرها أو احتمالية وقوعها؟ هل نتصور رئيسا لهيئة أو وزيرا في وزارة أو رئيسا تنفيذا لشركة ما لا يعمل وفق هذه المنظومة؟ إن موظفا صغيرا يقبع في زاوية بعيدة في مستودع لا يكترث به أحد ولا بما يعمل قد يتسبب في كارثة هائلة جدا بينما نحن نراقب ونحاسب بشدة عن ضياع ورقة أو ضياع معاملة قد نتمكن من إنشاء غيرها ببساطة متناهية. كيف نتمكن من اتخاذ قرار سريع عن تخصيص الموارد بشكل يحقق أهداف المنظمة ونسبق في هذا قنوات التواصل التي تفضح المخاطر، إذا كنا لا نعرف أين هي أضعف الحلقات التي قد تنكسر قريبا فينهار الهدف؟ كيف نستطيع أن نتخذ قرارات سريعة وناجحة إذا كنا غير قادرين على أن نحدد بدقة متناهية أين هي بؤر المرض وكم حجم الورم فيها؟

* نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.