لماذا «الصخري» يستعصي على الهبوط؟

عثمان الخويطر
عثمان الخويطر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

كثيرون كانوا يتوقعون نزول إنتاج البترول الصخري مع هبوط الأسعار من مستوى 115 دولارا إلى أدنى من 50 دولارا للبرميل. ونتيجة لذلك، فقد توقف ما يقارب ثلثي أجهزة الحفر التي كانت تعمل في مناطق الإنتاج الصخري. بل الأكثر غرابة هو أن الإنتاج، بدلا من النزول، ظل يرتفع لشهور طويلة. فما هو، يا تُرى، سر هذه الظاهرة غير المتوقعة؟

لعله من باب التوضيح أن نذكر أن بدء إنتاج البترول الصخري في أمريكا قبل بضع سنوات لم يكن مفاجأة، كما تصوره البعض، ولا يجب أن يعتبر كذلك، ولا هو نتاج تقنية جديدة. فالبترول الصخري مصدر لا يختلف عن مصادر البترول الأخرى. وقد حان وقت إنتاجه عندما وصلت الأسعار إلى مستوى يسمح باستخراجه اقتصاديّا، وهو ما حصل فعلا. وسنرى بعد حين إنتاجا أكثر صعوبة وأعلى تكلفة من أنواع «الصخري» ومن المناطق المتجمدة، عندما ترتفع الأسعار إلى ما فوق 150 دولارا. وتكلفة إنتاج الصخري الحالية في أمريكا بالذات تختلف من موقع إلى آخر. فنسبة كبيرة منه يراوح معدل تكلفتها بين 50 و 80 دولارا للبرميل، قابلة للنزول قليلا مع استمرار تحسن الأداء. وهناك نسبة لا بأس بها من المؤكد أن تكلفتها تحت الـ 50 دولارا. ومعلوم لدى المنتجين أن بعض المناطق تتميز بإنتاجية أفضل، يسمونها sweet spots.

وبإمكانهم في أي وقت أن يتحولوا إلى تلك المناطق الأفضل مردودا اقتصاديا.

والجواب عن السؤال آنف الذكر، أنه في الوقت الذي بدأت فيه أعداد أبراج الحفر تتهاوى، كان لديهم أكثر من ألف بئر محفورة وجاهزة للإنتاج بعد أن تتم عملية التكسير الهيدروليكي. فكان لتلك الآبار الجديدة دور كبير في إضافة إنتاج جديد شهريّا، ليس فقط لتعويض الانخفاض الطبيعي، بل أيضا رفع مستوى الإنتاج العام، وهو ما أثار الدهشة لدى كثيرين. ويكثر الحديث عند هذه المرحلة عن خفض كبير في التكلفة، وصل حد المبالغة. فالبعض عزاه إلى التقدم التكنولوجي. ومع تقديرنا دور التكنولوجيا في مجال حياتنا، إلا أن هناك عوامل آنية أقرب إلى المنطق، قد تكون أسهمت في تخفيف عبء التكلفة. نعم، هناك داخل المختبرات، في أمريكا بالذات، بحوث خاصة ونشطة لتطوير عملية التكسير عن طريق استخدامات جديدة عوضا عن ضخ الكميات الكبيرة من الماء. وقد تزيد من كفاءة التكسير على المدى البعيد. ولكن يبقى العامل الجيولوجي ودرجة تشبع البترول داخل مسام الصخور التي لا تنفع معها التكنولوجيا.

ومن المؤكد أن شركات الإنتاج تحولت بعد انخفاض الأسعار إلى المناطق المضمونة جودة إنتاجها. وعامل آخر مهم لا يجب أن نغفله، وهو أن تعطيل هذا الكم الهائل من أبراج الحفر والمعدات ووسائل النقل واليد العاملة قد أدى إلى انخفاض كبير في مستوى الإيجار والأجور، لمصلحة شركات الإنتاج. ولن يكون مستغربا أن تستمر بعض الشركات في الإنتاج بتكلفة أعلى من سعر البيع. فلديها التزامات مالية وعقود ملزمة تحتم عليها الاستمرار في العمل حتى ولو لم يكن مربحا. ولاحظنا في الآونة الأخيرة استدعاء عدد قليل من أجهزة الحفر. وهو لا يدل على بداية انتعاش بقدر ما يظهر أنه عمل تعديلي مؤقت. وإذا قدر الله وعادت الأمور إلى سابق عهدها، فسيعودون إلى مناطق التكلفة العالية وتعود الإيجارات إلى طبيعتها. ومع صعوبة التنبؤ بما ستأتي به الأيام المقبلة، إلا أننا نتوقع نزول إنتاج «الصخري» تدريجيا خلال الأشهر المقبلة، إذا ظل الوضع على ما هو عليه اليوم. ولو كان نزول التكلفة بالقدر الذي تتداوله وسائل الإعلام، لعاد عدد أجهزة الحفر إلى سابق عهده.

وفي الواقع، إن إنتاج البترول الصخري لم يكن في يوم من الأيام مربحا بالنسبة إلى شركات الإنتاج، حتى قبل نزول الأسعار. بل إن معظمها قد تكبد خسائر كبيرة، ولم يخفوها. وهذا لا يعني أن البترول الصخري لم يكن إيجابيّا للاقتصاد الأمريكي. بل العكس تماما. فقد أنعش الاقتصاد المحلي في ولايات الإنتاج وخفض نسبة كبيرة من استيراد البترول وأوجد مئات الألوف من الوظائف المحلية وأشغل المعدات التي كانت تحت التخزين لسنوات طويلة. وإذاً فالرابح من عمليات الإنتاج هو شركات الحفر والخدمات الأخرى والأيدي العاملة، حيث كانوا يقبضون حقوقهم كاملة، وتبقى مسؤولية محاسبة المصارف على شركات الإنتاج التي تتحمل وحدها النتائج، سواء كانت سلبية أو إيجابية.

ونود أن نؤكد ما سبق أن ذكرناه في مناسبات سابقة حول إنتاج «الصخري»، من أن ما أمكن تحقيقه في أمريكا الشمالية من المستبعد أن يكون له مثيل خارج أمريكا من الناحية الاقتصادية في وقتنا الحاضر. فأمريكا الشمالية لها خصوصيتها في هذا المجال التي تتمثل في توافر المعدات بأسعار مناسبة وأيد بشرية مدربة وتسهيلات حكومية وحرية في التصرف في الثروات الأرضية والاستثمارات الجاهزة، ما أعطاها ميزة فريدة على بقية الدول. ناهيك عن سهولة حفر الآبار هناك. و«الصخري» وجِد ليبقى، فلا معنى لمحاربته أو محاولة التقليل من شأنه، والحديث موصول للرمل البترولي الكندي. ونحن نشك في أن البترول الصخري كان المستهدف من وراء قبول التخفيض الأخير للأسعار، لسبب بسيط، وهو أن إنتاج «الصخري» سيعود إلى سابق عهده بمجرد وصول الأسعار إلى مستوى يسمح بإنتاجه اقتصاديا. أما فيما يتعلق بإنتاج البترول الصخري خارج أمريكا، فما علينا إلا طرح السؤال الآتي: لماذا حتى الآن لم نسمع عن إنتاج تجاري لبرميل واحد من أي دولة؟ فالصخري موجود في مناطق كثيرة من العالم. وكل الدول في حاجة إلى دخل إضافي. فلو كان إنتاجه اقتصاديا عندما كانت الأسعار تزيد على 100 دولار لما تأخروا يوما واحدا عن إنتاجه.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.