.
.
.
.

تكسب دعوى نفطيّة ضد إسرائيل

وليد خدوري

نشر في: آخر تحديث:

حاولت شركة النفط الوطنية الإيرانية خلال العقدين الماضيين، مقاضاة إسرائيل أمام هيئات تحكيمية في فرنسا ثم في سويسرا، في خصوص نزاع حول خط أنابيب إيلات - عسقلان للنفط الخام، المشروع المشترك الذي بدأ منذ العام 1968، عندما كانت العلاقات جيدة بين إسرائيل وإيران تحت حكم الشاه. وأتاح الخط لإيران لعقد من الزمن، تصدير النفط الخام الى كل من إسرائيل والدول الأوروبية، الى حين نشوب الثورة الإسلامية في إيران.

وتقاضي الشركات الإيرانية الشركات الإسرائيلية حول حقّها من ريع النفط الإيراني، الذي كان في الخط خلال الفترة الأولى من نشوب الثورة، والذي باعته إسرائيل لحسابها الخاص، من دون منح إيران حصتها كمالك للنفط أو كشريك في الخط. كذلك، تطالب الشركة الإيرانية بتعويضات عن تأميم المشروع من جانب إسرائيل بعيد الثورة الإيرانية. وبادرت إسرائيل الى توسيع مشروع الخط بعد تغيير نظام الحكم في إيران عام 1979، بحيث أخذ المشروع يشمل خزانات للنفط في عسقلان على البحر الأبيض المتوسط، وناقلات نفط ومساهمة مالية في أكبر مصفاة إسرائيلية، إضافة الى تزويد المصفاة بما تحتاجه من النفط الخام لتكريره. كما تخصصت الشركة الإسرائيلية التي أشرفت على المشروع، في التعامل مع نفوط جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً، خصوصاً الإمدادات من جمهورية أذربيجان. وتحاول الشركة، من خلال توسيع أعمالها، أن تصبح مركزاً لتجارة النفط في شرق المتوسط. فقد استطاعت شركة «خط أنابيب إيلات - عسقلان» أن تعكس تدفّق النفط كي يتّجه من عسقلان الى إيلات، بمعنى تسويقه في الأسواق الآسيوية. وهكذا، تصل نفوط بحر قزوين الى الدول الآسيوية، ما يفتح أسواقاً جديدة لنفوط قزوين غير متوافرة لها حالياً من خلال الأنابيب الممتدة عبر القارة الآسيوية. وهناك محاولات كي تتعامل الشركة مع النفوط التي يتم تهريبها في شرق المتوسط خلال هذه الفترة العصيبة، كمحاولة شراء النفط الليبي الذي تم تهريبه من مرفأ بنغازي بالتعاون مع العصابات المسلّحة في شرق ليبيا، أو النفط الذي لا تستطيع حكومة إقليم كردستان العراق تسويقه عالمياً، نظراً الى تردد المصافي العالمية في شرائه خوفاً من الملاحقة القانونية العراقية، من ثم تقوم ببيعه الى شركات إسرائيلية.

واجهت الدعوى القانونية الإيرانية - الإسرائيلية صعوبات، منها سرية المعلومات حول أرباح شركة «خط أنابيب إيلات - عسقلان». فقد منع رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو نشر أي معلومات عن الشركة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، معتبراً إياها من المعلومات العسكرية، ما يحظّر على هذه الوسائل النشر عنها. لذا بقي الموضوع محاطاً بالغموض والسرية طوال العقدين الماضيين. لكن طبعاً، لا يمكن أن يشمل هذا الحظر وسائل الإعلام الدولية التي غطّت بعض جوانب الدعوى، ما أدى الى تسرّب بعض المعلومات فقط. ويُذكر أن مدة صلاحية شركة «خط أنبوب إيلات - عسقلان» تمتدّ الى عام 2017، ويتوقع عندئذ أن ترفع السرية عن عمليات الشركة في حينه، إلا إذا قرر الكنيست الاستمرار في الحفاظ على السرية، بخاصة بعد حادث الانفجار في الأنبوب في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، الذي أدى الى تسرّب النفط الخام في واحدة من أهم المحميات الطبيعية الصحراوية الإسرائيلية.

غضّت إيران النظر عن موقفها الذي لا يعترف ديبلوماسياً بإسرائيل، بل موقفها الذي تعتبر فيه أنه لا يحق لإسرائيل الوجود، وبدأت على رغم ذلك الدعوى التحكيمية منذ العام 1994، أولاً في فرنسا ثم انتقلت الى سويسرا. والسبب هو الدفاع عن مصالحها من خلال المنابر القانونية الدولية، خصوصاً التحكيمية منها.

برزت فكرة تأسيس شركة «خط إيلات - عسقلان» بعيد «حرب أكتوبر 1967»، حين أغلقت قناة السويس أمام الملاحة الدولية، من ضمنها صادرات إيران النفطية الى الدول الأوروبية. وأتاحت الشركة الجديدة الفرصة لتفرّغ ناقلات النفط الإيرانية حمولتها في ميناء إيلات على البحر الأحمر، ومن ثم نقله عبر خط أنابيب طوله 254 كيلومتراً الى ميناء عسقلان على البحر المتوسط. وأسست الدولتان شركة «وهمية» في هاليفاكس في كندا. كما أسست هذه الشركة الكندية بدورها، شركة في بناما لنقل النفط وتسويقه، تدعى «ترانس – أوشيانك أويل». وتوسعت الشركة البنامية بدورها لتملك 23 ناقلة بحلول عام 1979. ويُذكر أن «ترانس-أوشيانك» هي الشركة التي قامت إحدى الشركات المملوكة من شركة النفط الوطنية الإيرانية، برفع الدعوى ضدها. بمعنى آخر، كانت الدعاوى ما بين شركات مملوكة من الحكومتين، وليس ما بين الحكومتين مباشرة. واستلمت «ترانس - أوشيانك» مسؤولية نقل النفط من إيران الى إيلات منذ العام 1969 حتى عام 1979، وبما أن بعض النفط تم شحنه خلال فترة نشوب الثورة، فإن إيران تطالب بتعويضات عن هذه الكمية التي شحنتها إسرائيل لحسابها، إضافة الى الموجودات التي أممتها إسرائيل بعيد الثورة الإيرانية. ولافت أن إيران لم تعيّن مواطنين إيرانيين لمجالس إدارة هذه الشركات، ووافقت بدلاً من ذلك أن يمثلها في مجالس الإدارة مواطنون إسرائيليون أو مواطنون لدول غربية من أصل يهودي.

بعد عقدين تقريباً من المقايضة أمام هيئات تحكيمية أوروبية، لا تزال المعلومات غامضة حول قيمة التعويضات التي طالبت بها إيران. فالعرف المتّبع في التحكيم القضائي هو عدم كشف المعلومات إلا لأصحاب القضية. لكن يتّضح أن القضاء السويسري حكم خلال الأسابيع الماضية، على شركة «ترانس - أوشيانك» لمصلحة الشركات الإيرانية بما قيمته 1.1 بليون دولار، إضافة الى 7 ملايين دولار تعويضاً لأتعاب مكاتب المحاماة. ورفضت إسرائيل هذا الحكم بحجة أن الالتزام بقانون يمنع المتاجرة مع العدو. وسيحول الأمر للاستئناف، على رغم أن على إسرائيل، وفقاً للعرف المتّبع في القضايا التحكيمية، الرضوخ لقرار لجنة التحكيم، وهو أمر وافقت عليه مسبقاً عند قبولها بالتحكيم.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.