الشلل والتقشف يهددان اقتصاد الجزائر
فيما الجزائر واقتصادها وماليتها، وأمنها أحياناً، تدخل في دوامة خطيرة، تبدو الإجراءات الحكومية المتخذة لامتصاص ما يقال إنه صدمة ستشل الاقتصاد، القائم أساساً على التبعية شبه التامة لعائدات الطاقة، غير كافية لاستيعاب الخطر المقبل، فهي ليست سوى مبادرات مرتجلة وأدوات هزيلة تصب في خانة الهروب إلى الأمام، بانتظار الاستحقاق الكبير، أي التوافق كما جرت العادة بين أجنحة النظام.
الظهور العلني بين فترة وأخرى للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لا يخفي أن الصراعات بين الأجنحة الرئيسة، أي الرئاسة والجيش وإدارة المعلومات والأمن (الأمن العسكري سابقاً)، والتي زادت عليها أخيراً مجموعات الضغط الاقتصادية والمالية المرتبط بعضها بالسوق السوداء، بلغت أوجها للمرة الأولى منذ الاستقلال، الأمر الذي لا يبشر بالخير على كل الأصعدة.
حال الغموض التي تعم البلاد وتشل مشاطاتها على كل المستويات تزيد الأمور تعقيداً، كما تنعكس تداعياتها السلبية يومياً على صورة الجزائر، ما يدفع بالمهتمين إلى الدخول في رهانات والبحث باستمرار عن معلومات قبل اتخاذ مواقف تنسجم مع الحفاظ على مصالحهم مستقبلاً. فالحديث عن «ثقافة المؤامرة»، التي اشتهرت في الجزائر على مر العقود بتدخل من الأجنحة الحاكمة، أصبح اليوم أكثر ترداداً، خصوصاً بعد الصراعات التي تظهر إلى العلن بين الأطراف المتنازعة وتأخذ منحى تصفية الحسابات. ويتخوف الجزائريون من أن زمام الأمور قد يفلت للمرة الأولى من الذين أمسكوا بالنظام وأداروا ثرواته طوال عقود من الزمن. لم يعد يخفى على المواطن العادي أن الحكومة الحالية، نتيجة انخفاض أسعار النفط وسوء إدارة الوضع المالي للبلاد، خسرت نحو 48 بليون دولار في ستة أشهر. وهذا أمر يمكن أن يتطور في شكل أكثر سلبية في الأشهر المقبلة إذا وصل سعر برميل النفط إلى 30 دولاراً كما يتوقع كثر، على رغم أن الموازنة الجزائرية تحسب سعر البرميل عند 37 دولاراً. وفي خضم هذا الوضع تستمر حكومة عبد المالك سلال في اتخاذ قرارات تعود عن بعضها حيناً وتشدد على تنفيذ البعض الآخر أحياناً.
كل ذلك في وقت تتدنى فيه القوة الشرائية للمواطن الجزائري وتزداد رقعة وحدة الاحتجاجات في البلاد، ولم يعد النظام يتمكن، كما في السابق، من امتصاصها وشراء السلم الأهلي عبر ضخ أموال للتخفيف من حدة النقمة الحاصلة، أو من خلال الإعلان عن وعود تتضمن إنجازاً سريعاً لمشاريع التنمية.
وشكل تأكيد الحكومة الجزائرية أخيراً أنها في حاجة إلى الحد من مشاريع البنية الأساسية الضخمة وتقليص استكمال المشاريع التي بدأتها بعد إعلانها خفض الإنفاق العام، نكسة لدى المواطن، وكذلك تلويح الحكومة نفسها بتطبيق سلسلة إجراءات تقشفية بعد سنوات من البحبوحة النسبية التي شهدتها البلاد والمجتمع.
لذلك الحال كهذه، صعب بل مستحيل في رأي المحللين والخبراء الماليين العالميين، بمن فيهم العاملون في صندوق النقد الدولي، أن تتمكن الحكومة من تفادي الدخول في مرحلة الخطر الفعلي بعد ثلاثة أشهر على أبعد تقدير. ويرى هؤلاء أن السلطات الجزائرية، التي تحاول النأي بنفسها من تبعات الوضع الاقتصاد المتدهور حالياً، هي التي عجزت على مدار سنين طويلة في إيجاد اقتصاد وطني متنوع بديل عن الاعتماد المطلق على التبعية الكاملة للطاقة وعائداتها، لن تمنع حدوث الكارثة إذا لم تتفق الأجنحة في قمة النظام، خصوصاً على رئاسة الجمهورية.
يعتبر عدد من محافظي مصرف الجزائر المركزي أن السلطات النقدية والتابعة للحكومة، دخلت أخيراً في مغامرة خطيرة للمرة الأولى من خلال خفض قيمة الدينار الجزائري خلال الأسبوع الأخير من آب (أغسطس) الماضي. فقرار كهذا من شأنه أن يفجر الاحتجاجات، في وقت يحاول فيه عدد من المسؤولين تأكيد أن القرار هو خطوة على طريق مواجهة الوضع المالي المتأزم ومحاولة للتخلص من الأعباء المالية من خلال نقلها إلى كاهل المواطن. وهنا تكمن الخطورة الكبرى، بمعنى أن الخيارات المتاحة أمام الحكومة قد تقلص هامشها ولم تبق أمامها سوى الحلول القاسية غير الشعبية التي تهدد حتماً السلم الأهلي والاجتماعي، كذلك الاستقرار السياسي الذي يقف هو الآخر على حافة الانهيار.
الواضح أن الخيارات التي تتخذها الحكومة أحلاها مر، فجميعها خيارات صعبة خصوصاً أن الحكومة وجدت نفسها مضطرة إلى الاختيار بين التضحية بالقدرة الشرائية للمواطن وتوسيع رقعة الفقر وبين استنفاد ما تبقى من احتياطاتها النقدية. ويلفت النظر حديث عن إجراءات متمثلة في العودة مجدداً إلى الاقتراض من المؤسسات المالية العالمية بعدما محت الجزائر ديونها بالكامل في السنوات الماضية، أو اللجوء إلى إنفاق أموال «صندوق ضبط الإيرادات» الذي استحدث في مطلع الألفية لحفظ فوائض الإيرادات النفطية.
الشلل والخطر يهددان الاقتصاد الجزائري في شكل جدي، وتكرار الحديث عن إمكانية فتح الاقتصاد بالكامل أمام الاستثمار الأجنبي وإنهاء ما تبقى من الاقتصاد الموجه، كما حصل قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، هو الحل الأمثل. لكن الجزائر ليست الاتحاد السوفياتي، والرئيس بوضعه الحالي ليس ميخائيل غورباتشيف.
* نقلا عن صحيفة "الحياة "