.
.
.
.

بورصة الكويت في أزمة

عامر ذياب التميمي

نشر في: آخر تحديث:

أعلنت شركات مدرجة في سوق الكويت للأوراق المالية نيتها الانسحاب منها، وبدا أن الأمر أصبح ظاهرة تستحق الدرس والتمعن من الجهات المتخصصة مثل إدارة السوق وهيئة أسواق المال. وسبق لشركات مدرجة أن انسحبت من السوق خلال الشهور الماضية وقبل سنوات. ويشير مراقبون إلى أن التراجع في معدلات السيولة والأسعار المتداولة دفع مجالس إدارات تلك الشركات إلى الخروج من السوق حفاظاً على حقوق المساهمين.

لكن، لماذا تراوح السوق حول أدائها المتواضع منذ مدة غير قصيرة قاربت أكثر من سنتين؟ ولماذا ظلت التداولات دون المستوى المأمول وتركزت على الشركات ذات الأداء التشغيلي الضعيف في وقت لا يجري فيه تداول لأسهم شركات مهمة مدرجة سبق لها إعلان نتائج سنوية وفصلية متميزة، ومنها المصارف وعدد من شركات الاتصالات والتأمين؟

تراجع المؤشر السعري لأداء السوق إلى مستويات منخفضة وأصبح الآن دون ستة آلاف نقطة، وهو مستوى قياسي منخفض. ويلاحظ كثر من المتعاملين والمهتمين بأعمال سوق الأوراق المالية أن النشاط أصبح مقتصراً على عدد من المضاربين الصغار المحدودي الإمكانات التمويلية، في حين غابت شركات الاستثمار والمستثمرون المؤسسون. ويبدو أن التطورات المؤسسية المنجزة خلال السنوات الماضية مثل قيام هيئة أسواق المال، والتعديلات التي أُدخِلت على أنظمة التداول، وبرنامج تخصيص البورصة لم تفعّل دور السوق المالي كوعاء استثماري جذاب لرؤوس الأموال الوطنية أو تلك الآتية من بلدان الخليج الأخرى.

تتراوح قيمة التداولات اليومية بين سبعة ملايين دينار (23 مليون دولار) و20 مليون دينار، وذلك يدل على غياب السيولة الفاعلة التي فاقت في سنوات سابقة 200 مليون دينار يومياً ولم يقل متوسطها اليومي عن 60 مليون دينار. ومن المؤشرات المهمة التراجع البين في تداول أسهم الشركات المهمة ذات العائد الجيد والنتائج الطيبة، مثل المصارف، فالتداول قد يصل إلى نصف مليون سهم من أسهم أي من تلك الشركات، في وقت لا يتجاوز فيه سعر أي من تلك الأسهم في السوق ديناراً، علماً أن القيمة الدفترية قد تزيد عن ذلك. ويقدّر المتخصصون القيمة العادلة لأسهم كثير من تلك الشركات بما يفوق الأسعار الجارية للتداول.

هذه الشركات تملك الأصول الجيدة وتقدَّر حقوق المساهمين فيها بمستويات تفوق رأس المال المدفوع بنسب عالية. ويمثّل تراجع تداول أسهم هذه الشركات مصدر قلق كبير لكبار المساهمين في الشركات، ويفترَض أن يكون هاجساً للمسؤولين في الإدارات الحكومية المختصة نظراً إلى ما يعنيه من ضعف للثقة في أداء السوق وتفشٍّ للخوف بين المتعاملين من استمرار التراجع. هذا التراجع أصبح بيناً، كما أشار تقرير أخير لشركة «بيان» الاستثمارية، الذي أكد أن المؤشر السعري انخفض خلال الأسبوع المنتهي في 3 أيلول (سبتمبر) بنسبة 2.02 في المئة مقارنة بمستواه نهاية الأسبوع السابق. وعزا التقرير هذا الانخفاض إلى موجة البيع. وربما دفع المستثمرون وكلاءهم إلى البيع بعد التراجع الكبير لأسعار النفط خلال الأسابيع الماضية.

ربما هناك عوامل ترتبط بالاقتصاد الكلي تؤثر في أداء السوق، مثل الانخفاض في الإيرادات السيادية للحكومة بسبب تدهور الأسعار العالمية للنفط. ويرى مراقبون إمكانيات لحصول عجز حقيقي في الموازنة العامة للدولة التي حددت 70 دولاراً سعراً لبرميل النفط شرطاً لتحقيق التوازن بين الإيرادات والنفقات الحكومية. ويساهم الإنفاق العام في تأمين الأعمال للعديد من الشركات ويؤثر من خلال آليات متنوعة في تحسين أداء العديد من الشركات المدرجة في سوق المال. لكن شركات كثيرة، ومنها المصارف، تمكنت في السنوات الماضية وخلال الفصلين الماضيين من هذا العام، من تحقيق نتائج جيدة وأرباح صافية مناسبة، لكن التداول لم يحسن من أسعارها في شكل مثير للانتباه. ولذلك فالعوامل الاقتصادية الأساسية، على أهميتها، قد لا تكون ذات صلة بمعاناة السوق حالياً.

يقول رئيس مجلس مفوضي هيئة أسواق المال نايف الحجرف ان الهيئة في صدد تطوير الآليات في السوق، ومنها إنجاز نظام «صناع السوق»، الذي يطالب به المتخصصون، تماشياً مع ما هو معمول به في الأسواق المالية التقليدية. وأكد أن العمل سيبدأ بهذا النظام قبل نهاية العام الحالي. ومعلوم أن صناع السوق يمكن أن يؤمنوا أدوات وآليات لحماية الأسعار من التراجع ووضع حد لتضخم الأسعار في أوقات الطفرات.

ويطالب عدد من المتعاملين بتدخل الحكومة في السوق شارية للأسهم لحماية الأسعار، لكن ذلك لا يمكن تبريره في سوق طبيعية حيث يمكن للحكومة من خلال الهيئة العامة للاستثمار وصناديقها أن تشتري أسهماً جيدة ومتميزة تدر عائدات جيدة يمكن أن تتحسن قيمتها في المستقبل، وذلك من أجل تحقيق عائدات للمال العام وتنويع الأصول الاستثمارية. لكن الحكومة يجب ألا تتدخل من أجل رفع الأسعار اصطناعياً ومن دون مبررات اقتصادية مقنعة.

لكن الحكومة يمكن أن تشجع الجهات المختصة على تطويع العديد من الأنظمة لتأمين السيولة للمستثمرين ومن ذلك تعديل عمليات الرهن والضمانات التي تمكن من الحصول على قروض بهدف اقتناء الأسهم المدرجة. وهناك أهمية لإجراء عمليات مهمة مثل مراجعة إدراج العديد من الشركات التي حققت خسائر كبيرة خلال السنوات الماضية والتي يؤكد القانون ضرورة إعادة النظر في استمرارها أو زيادة رؤوس أموالها من قبل المساهمين بهدف تنظيف السوق وحمايته من آثارها السلبية. كذلك يمكن تنويع أدوات الاستثمار من خلال السماح بتداول السندات أو الخيارات.

* نقلا عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.