.
.
.
.

أنماط وأعمار حقول البترول

عثمان الخويطر

نشر في: آخر تحديث:

على الرغم من مرور أكثر من 150 عاما على اكتشاف حقول البترول، وسرعة انتشار استخدام مشتقاته كمصدر فريد ومتميز للطاقة في وسائل النقل وتوليد التيار الكهربائي، وفي السنوات الأخيرة كمادة أساسية في الصناعات البتروكيماوية الحديثة، إلا أن طبيعة إنتاج الحقول وأعمارها لا تزال مجهولة عند غالبية أفراد المجتمعات، في الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء. فتجد أن الأكثرية منا لديهم ثقافات واسعة عن مواضيع متعددة ومختلفة الجوانب وبعضها غير جوهري، لكن يصاحب ذلك غياب ثقافي شبه تام عندما يتعلق الأمر بمصدر حيوي مثل البترول. فلا تجد اهتماما شعبيا ذا قيمة بمستقبل الإنتاج وعمر الحقول على اختلاف أنواعها وأشكالها. فأهمية المواد الهيدروكربونية في حياتنا تحتم على كافة الشعوب معرفة كاملة عن خباياها وعن مستقبلها، والحرص على إزالة معوقات الشفافية حولها. فكلنا نستخدم المشتقات البترولية ونعلم أنها في وقتنا الحاضر تستخرَج من مخزونات طبيعية محدودة الكمية تحت أعماق الأرض. هذه أمور بديهية. ونزيد على ذلك أن الاحتياطيات البترولية، التقليدي وغير التقليدي، يمكن تقديرها بوجه عام بما قد يصل إلى ثمانية تريليونات برميل، بما في ذلك الكميات المتوقع اكتشافها مستقبلا. لكن الذي لا يعرفه كثيرون هو أن نسبة قليلة، قد لا تتعدى 20 في المائة من هذا الاحتياطي، هي التي كانت ولا تزال تغذي متطلبات العالم منذ سنواته الأولى حتى اليوم. وما بقي من هذه النوعية الآن أقل من تريليون واحد، إذا أخذنا في الاعتبار نسبة التضخيم غير المبرر في الأرقام التي تتداولها وسائل الإعلام. أما الأضعاف الباقية من الاحتياطي العلمي العام فلم يحن وقت إنتاجها بعد على نطاق واسع، نظرا إلى تكلفتها العالية وضآلة كمية إنتاجها. وما يسمى بالبترول الصخري والرملي، اللذان بدأ إنتاجهما في أمريكا وكندا، فهو أذان ببداية إنتاج البترول غير التقليدي. ولا يعني ذلك أننا سنشاهد إنتاجا كبيرا من غير التقليدي خارج أمريكا الشمالية خلال السنوات القليلة المقبلة. فجدواه الاقتصادية تتطلب أسعارا مرتفعة تبدأ من ضعفي الأسعار الحالية.

وإذاً، فالذي يهم المجتمع الدولي اليوم هو استمرار إنتاج التريليون برميل المتبقي من البترول التقليدي، أو ما يطلق عليه البترول الرخيص. ولا بد من توضيح نقطة في غاية الأهمية، وهي أن هذه الكمية المتبقية في حقول البترول التقليدي، هي النصف الأخير من الاحتياطي الأصلي. لكن شتان بين إنتاج النصف الأول والنصف الثاني، من حيث التكلفة والزمن وكمية الإنتاج وسهولة الاستخراج. فإنتاج الكمية الأولى كان غزيرا ومتيسرا وقليل التكلفة، وربما يستغرق من عقدين إلى ثلاثة، والحديث هنا عن معظم حقول الشرق الأوسط. وعندها يصل إنتاج الحقل الذروة، ويختلف توقيت وصول الذروة من حقل إلى آخر لأسباب جيولوجية وفنية وظروف إنتاجية. فأمامنا اليوم تحديات كبيرة. منها أن الحقول قد بدأت تظهر عليها عوامل الشيخوخة والهرم. وستلازمها صعوبة الإنتاج حتى آخر رمق، قد يكون ذلك بعد عقود طويلة. وهذا يعني أن إنتاج النصف الأخير من حقول البترول ربما يستغرق ضعف المدة التي استغرقها النصف الأول أو ربما أطول. فسيستمر تسرب البترول من المكامن، بعد أن يستنفد قدرته الطبيعية، بواسطة طرق خاصة ومكلفة يستخدمون فيها، أحيانا، ضخ كميات من بخار الماء أو الغازات مثل ثاني أكسيد الكربون أو حتى مواد كيماوية وبترولية خفيفة. والشاهد هنا أن الإنتاج العالمي قد دخل الآن هذه المرحلة الحرجة، وقليل هم الذين يدركون ما نحن مقبلون عليه من شح في موارد مصادر الطاقة، نظرا لعدم وضوح الرؤية لديهم حول إنتاج ما قبل وما بعد الذروة. ولو أمعنا النظر فيما هو حاصل اليوم من توجه نحو إنتاج المصادر البترولية غير التقليدية المكلفة مثل الصخري والرملي واستكشاف أعماق البحار والمناطق المتجمدة الأكبر تكلفة، لأدركنا أن ثمة أمرا ما على وشك الوقوع، وهو نقص محتمل في الإمدادات البترولية الرخيصة.

وما يزيد الأمر تعقيدا، ما ينقله الإعلام من وقت إلى آخر، عطفا على تصريحات مسؤولين في دول منتجة عن احتمال اكتشاف كميات جديدة هائلة من المخزونات البترولية التقليدية. والواقع لا يؤيد مثل هذه التخمينات. وأكبر دليل على خطورة الوضع بالنسبة إلى مستقبل مصادر الطاقة، النشاط غير العادي الذي نشاهده اليوم حول اهتمام الشركات المتخصصة بالبحث عن مزيد من مصادر البترول غير التقليدي رغم ارتفاع التكلفة وصعوبة الإنتاج. وعلى وجه الخصوص، الصخور البترولية والمناطق النائية التي لا نتوقع أن يكون إنتاجها اقتصاديا قبل عقد أو عقدين من الزمان، ناهيك عن الارتفاع المتواصل للأسعار خلال السنوات الماضية، وهو مرشح للاستمرار، مع استثناء فترات هبوط قصيرة، يستعيد السعر بعدها مساره التصاعدي.

* نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.