.
.
.
.

كيفية تقاسم المياه على طول نهر النيل

جون إتش لاينهارد وكينيث إم سترزيبيك

نشر في: آخر تحديث:

تجري، على ضفاف النيل الأزرق في إثيوبيا، الإنشاءات على قدم وساق في مشروع الأشغال العامة ذي الأبعاد المادية الضخمة والحساسية السياسية الكبيرة. فلقد تم الانتهاء حتى الآن من مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير، والذي هو بمثابة اختبار: مع المياه التي أصبحت ثمينة ونادرة بما يكفي لإثارة النزاعات، هل يمكن للدول العثور على سبيل للمشاركة في ما بينها؟
يعد الأمر جيدا حتى هذه اللحظة، حيث يتجه المشروع الكبير صوب الإعلان عن استكماله تماما، إلى جانب إعلان المبادئ الموقع من جانب زعماء مصر، وإثيوبيا، والسودان، الذي تعهدوا فيه بالتعاون وعدم الضرر «الكبير» والمشترك بدول المصب. وتلك نقطة بالغة الأهمية، . ولكن لكي يكون التعاون المعلن عنه مفيدا وذا مغزى معتبر، يتعين على تلك الدول الثلاث إجراء تحليل فني جاد للمشكلة. فالتقديرات الضعيفة لمثل تلك المسائل، مثالاً بمعدلات التغيير في سقوط الأمطار سنويا أو الحد الأدنى المطلوب من تدفقات المياه حفاظا على نوعية المياه الواصلة إلى دول المصب، من شأنها تقويض إبرام الاتفاقيات اللائقة، وقد تؤدي في نهاية المطاف إلى نشوب صراع جاد.
يعود ذلك بالأساس إلى أن تدفق المياه عبر نهر النيل أشبه ما يكون بالتقلبات المناخية العصية على التنبؤ، حيث تشهد فترات من الوفرة الكبيرة، كما تشهد فترات أخرى من الجفاف المستمر، كما هو الحال دائما: ولنتذكر تلك القصة (الواردة في الكتابين المقدسين للمسلمين والمسيحيين على حد سواء) عن السنوات السبع الوافرة وسبع سنوات أخر عجاف. غير أن الرهانات الآن أعلى بكثير: فتعداد السكان في مصر يقارب 90 مليون نسمة، وفي زيادة مستمرة. ويساعد سد أسوان الكبير الواقع على المصب من السد الإثيوبي في التخفيف من تلك التقلبات المذكورة، ولكن بناء سد كبير آخر مع مستودع ضخم للمياه أعلى النهر من شأنه أن يزيد في تعقيد المشكلة وليس حلها.
تتلقى مصر حاليا كل احتياجاتها تقريبا من المياه عبر نهر النيل - نحو 60 مليار متر مكعب من المياه في العام، وهو رقم أعلى بقليل من الكمية المحددة والمنصوص عليها في الاتفاقية المشتركة بينها وبين السودان. ويرقى ذلك الرقم إلى استهلاك أكثر من 700 متر مكعب من المياه للفرد سنويا. وعند مقارنة ذلك الرقم بالاستهلاك في ولاية كاليفورنيا، والتي يستهلك الفرد فيها نحو 1400 متر مكعب من المياه في العام ومن مختلف المصادر، بما في ذلك 30 في المائة من التدفق السنوي لنهر كولورادو، ندرك مدى ندرة وأهمية مياه النيل بالنسبة للحياة والرخاء في مصر.
تعتمد كاليفورنيا اعتمادا كبيرا على مياه بحيرة باول وبحيرة ميد، وهما أكبر مستودعين للمياه وراء السدود المشيدة على نهر كولورادو، واللتين تخزنان معا ما يقرب من مخزون ثلاث سنوات قادمة من إجمالي تدفق مياه النهر. لكن السد الإثيوبي الجديد سوف يسيطر على قدرات تخزينية أكبر مما تحتويه بحيرتا باول وميد مجتمعتين، لكنه لا يحوي إلا ما يقرب من مخزون عام ونصف العام فقط من إجمالي تدفقات مياه النيل الأزرق وحده. وبالإضافة إلى البحيرة الكبيرة وراء سد أسوان المصري، يكون لدينا مخزون يقارب 1.75 سنة من إجمالي تدفق المياه بنهر النيل. ولا يعتبر ذلك هامش أمان كبيرا للسلامة من حالات الجفاف الممتدة - إذا ما قورن الأمر بولاية كاليفورنيا.
تتساقط الأمطار الموسمية في إثيوبيا التي تغذي السد الجديد هناك وبشكل رئيسي خلال ثلاثة شهور فقط من كل عام، ومن خلال تخزين تلك المياه يعمل السد الجديد على إدارة وتهدئة تدفق المياه في النيل الأزرق، الذي يجري بطول 900 ميل بالقرب من منبع نهر النيل نفسه. ومن شأن السد الجديد توليد كميات هائلة من الكهرباء، وتصدير تلك الطاقة الكهربائية يمكنه توفير التمويل اللازم للتنمية الداخلية في إثيوبيا - مع فارق واحد وهو أن خطوط النقل والتصدير لم يتم بناؤها حتى الآن هناك.
وعلى غرار كاليفورنيا التي استغلت المياه المخزنة لتتحول إلى قوة زراعية محلية، سوف تستفيد السودان من استخدام التدفق الأكثر استقرارا للمياه من السد الجديد في رفع إنتاجيتها الزراعية. كما سوف يسمح ذلك للسودان، الواقعة على الخريطة ما بين مصر وإثيوبيا، بالاستخدام الأمثل لمخصصاتها من المياه بموجب المعاهدات المبرمة، مما يؤدي بدوره إلى تقليل الحصة المتاحة من المياه لمصر.
من الواضح أن هناك مطلبا حيويا لاتفاق تعاوني بين إثيوبيا والسودان ومصر لتجنب الصراع وإلحاق الضرر بدول المصب. ويتضمن ذلك الاتفاق على ما يرقى إلى درجة الضرر «الكبير».
من شأن الدول الثلاث الاستفادة من كل شيء إذا ما تعاونت معا، حيث إن السعة التخزينية الضخمة للسد الجديد يمكن أن تساعد كلا من السودان ومصر خلال سنوات الجفاف. وإذا وافقت مصر على شراء الطاقة الكهربائية التي يولدها السد الإثيوبي الجديد (وبناء خطوط النقل للارتباط بها، ربما مع بعض المساعدات الدولية)، فسوف تستفيد إثيوبيا اقتصاديا من المياه المخزنة لديها والتي سوف تتدفق إلى مصب النهر في نهاية المطاف.
وهنا تكمن أهمية حسم المسائل الفنية. في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عقد مختبر عبد اللطيف جميل العالمي للمياه وأمن الغذاء في معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا، اجتماعا لخبراء موارد المياه في حوض النيل. وأشاروا خلال الاجتماع إلى أن إدارة نظام النهر متعدد السدود تتطلب وجود إدارة متطورة ومشتركة مع قاعدة معرفية مشتركة وإطار علمي نموذجي. كما أن المفاوضات الشاقة وصولا إلى إبرام اتفاقيات تفصيلية حول أمور مثل سياسة إدارة المستودع المائي، وتجارة الطاقة الكهربائية، وأمن وسلامة السد، وممارسات الري، سوف تتطلب قدرا من السياسة الخارجية، وخبراء المياه من كل من الدول الثلاث المعنية ممن لديهم إدراك كامل للمسائل الفنية والاستعداد للوصول إلى حلول وسط.
اجتمع الخبراء التقنيون من الدول الثلاث، في مايو (أيار) عام 2015، للمساعدة في حل مثل تلك المشكلات، غير أن مثل تلك الترتيبات قد توقفت إثر الخلافات الناشئة حول إدارة المشروع.
يجدر بالمجتمع الدولي التوسط والمساعدة، من خلال دعم الجهود الإقليمية مثل مبادرة حوض النيل، وإيجاد التنسيق العلمي والهندسي والقدرات المعرفية بين الدول الثلاث المعنية، وتوفير الخبرات المحايدة، وإقامة نظام مشترك للإدارة، وربما طرح آلية لحل النزاعات الناشئة.
يحتاج العالم، وعلى الفور، إلى صقل مهارات تقاسم المياه، حيث إن البديل القائم هو زيادة مستمرة في النزاعات الإقليمية التي تحمل في طياتها أبعادا غير معروفة أو متوقعة.

* نقلا عن الشرق الأوسط

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.