تطوير أدوات تحليل المخاطر في المشاريع

محمد آل عباس
محمد آل عباس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

من المهم جدا للأمم المتحضرة أن تناقش قضاياها بعمق بعيدا عن التسطيح الخطير الذي يأخذ بظاهر الحدث ويلامس قشوره بعيدا عن جوهر المشكلة، أو أن يتم استغلال القضية لأغراض هدامة بعيدة عن مصالح الوطن وتقدمه ورخائه. فنحن لسنا أمة بدعا من البشر نحن من بني آدم تصيبنا الكوارث وتحل بنا المشاكل، نخطئ ونتعلم من الأخطاء، لكننا في هذا الوطن المعطاء ووطن الرخاء قادرون على مناقشة مشاكلنا بعقلانية ومن ثم استحلاب الحلول التي تضمن عدم تكرار الأخطاء. في هذا الإطار يجب علينا مناقشة ما حصل من انهيار للرافعة العملاقة في المسجد الحرام بعقلانية، خاصة بعدما هدأت العاصفة وبعد الأوامر الحكيمة التي أصدرها خادم الحرمين الشريفين بالتحقيق في هذه المسألة، لذا فإنه من المهم أن نناقش الآن مثل هذه المسألة من نواح إدارية واقتصادية بحتة Empirically وأن نتعلم الدروس حتى نمنع تكرارها أو غيرها في أمور أو مناطق أخرى.

لعل أهم شرط لعدم تكرار ما حدث هو التطبيق الصارم لمناهج وفكر إدارة المخاطر، خاصة في المشاريع الحكومية، وأتذكر قبل أكثر من شهر أنني كتبت مقالا عن إدارة المخاطر وقلت إنني لا أتصور أن مسؤولا في أي شركة أو مؤسسة ما سواء كانت حكومية أو خاصة كبيرة أو صغيرة، وزارة أو هيئة أو مديرية، جامعة أو حتى كلية، يعمل ويدير ويخطط دون معرفة أو إدراك للمخاطر التي تحيط به وبمؤسسته. ففي عالم من القرارات السريعة فإننا بحاجة إلى معلومات جيدة في وقت مناسب ولإنجاح هذا فلا بد من تطوير أدواتنا في تحليل المخاطر. يجب أن تكون قراراتنا في المستقبل مرتبطة بالمخاطر. ويمكن تطبيق هذا المفهوم الحديث بما حدث في مشروع توسعة المسجد الحرام، فالمخاطر كثيرة مع أعمال البناء والإنشاءات ولا بد من بناء سجل كامل واضح للمخاطر التي قد تحدث ومن ذلك انهيار إحدى الرافعات. ثم بناء على هذه المخاطر يجب أن يتم وضع الكثير من الإجراءات الاحترازية والرقابية التي تضمن عدم حدوث الخطر أو نقل ملكيته إلى جهات أخرى قادرة على منع وقوعه أو على الأقل التأمين ضد هذا الخطر إن وقع. ولا بد من إنشاء إدارة مستقلة للمراجعة الداخلية لدى كل شركة تتأكد من الالتزام بتطبيق هذه الإجراءات وترفع التقارير بشأنها.

لهذا أتمنى من الجهات التي ستتولى التحقيق في قضية الرافعة معرفة إلى أي درجة قامت الشركات المسؤولة بتطبيق مفاهيم إدارة المخاطر؟ وإذا كانت الشركة تطبق هذه المفاهيم في مشروع توسعة الحرم المكي الشريف، فهل تضمنت سجلات المخاطر مثل هذا الخطر الذي وقع؟ وإذا وجد ذلك فهل كانت هناك تقارير للمراجعة الداخلية بشأن ذلك؟ وكيف لم تتمكن إجراءاتهم الرقابية من منع حدوثه؟ كل هذا مهم جدا لمعرفة كيف تدار المخاطر في مشروع بمثل هذه الأهمية وفي مكان بكل هذا الشرف. فإذا لم يكن لدى الشركة هذا السجل الضخم من المخاطر "وهذا ما أتوقعه بحكم معرفتي لعمل الكثير من شركات المقاولات في المملكة وحداثة مفاهيم إدارة المخاطر"، فإنه يجب القيام "فورا" ببناء هذا السجل وتقديمه للجهات المسؤولة لضمان أن الشركة تدرك جميع المخاطر التي تحيط بالمشروع وأنها قد طورت كل الأدوات اللازمة لمقابلتها، فإذا كان خطر انهيار الرافعة قد وقع، فقد يكون هناك خطر مماثل لم يزل قائما أو آخر لم يتم توقعه. ولقد أشرت في مقالي السابق إلى أن موظفا صغيرا يقبع في زاوية بعيدة في مستودع لا يكترث به أحد ولا بما يعمل قد يتسبب في كارثة هائلة جدا، بينما نحن نراقب ونحاسب بشدة عن ضياع ورقة أو ضياع معاملة قد نتمكن من إنشاء غيرها ببساطة متناهية.

الشرط الآخر يتعلق بتفتيت الشركة العائلية العملاقة إلى شركات أصغر، ذلك أن انهيار الرافعة كشف لنا قضية الشركات العائلية المساهمة المغلقة، والشركات ذات المسؤولية المحدودة التي تقوم بتنفيذ مشاريع عملاقة أو لها أعمال تجارية أو صناعية ضخمة داخلية وخارجية، وهي في مجملها تتصف بأنها من كبريات الشركات في المملكة من حيث الأصول أو من حيث المبيعات، فهي شركات عملاقة بجميع المقاييس. وهي كما الأخطبوط في الاقتصاد السعودي، تحتكر استيراد سلعة ما هنا ووكالة سلعة أخرى هناك، وهي في الوقت نفسه محمية من المراقبة الاجتماعية، حيث تقبع قوائمها المالية وتقارير مجالس الإدارة فيها تحت مفهوم الشركات المساهمة المغلقة أو شركة ذات مسؤولية محدودة. لذلك لا بد من أن تتحول هذه الشركات إلى سوق الأسهم السعودية وذلك بإجبارها على التحول إلى شركة مساهمة عامة، هذا سيساعد كثيرا على تتبع كيف تعمل إدارات هذه الشركات وكيف تتصرف بالاستثمارات كما عليها أن تلتزم بكل شروط الإفصاح والشفافية من قبل هيئة السوق المالية وهذا كفيل بأن يضعها تحت مجهر التشريح الاجتماعي والإعلامي.

من جانب آخر، فإن تفتيت الشركات العملاقة من نوع شركات المقاولات إلى شركات عدة داخل سوق الأسهم السعودية، سيعزز من عمق السوق، ويسهل إدارة الشركة نظرا للتخصص، ويفتح أبوابا استثمارية كثيرة، وهذا له سند من تجارب عالمية ومحلية كمثل ما قامت بها هيئة الطيران المدني بإنشاء شركات متعددة لكل خدمة من خدمات الطيران المدني. ثم بدأت هذه الشركات بالدخول إلى السوق المالية بطريقة تضمن تجويد الخدمات والشفافية والإفصاح المناسبين. وهذا كله سينعكس حتما على الاقتصاد السعودي وعلى هيكل سوق الأسهم، حيث تستطيع السوق أن تعكس بصدق شكل الاقتصاد السعودي وتركيبته، فالسوق حتى الآن لم تطور قطاع المقاولات وهو من أهم وأكبر القطاعات الاستثمارية في المملكة.

وبقدر ما سمح به هذه المقال، فإننا بحاجة إذاً إلى اهتمام واسع بقضية إدارة المخاطر والمراجعة الداخلية في الشركات التي تتولى المشاريع الحكومية وأن يكون هذا شرطا في قبول التقدم على المنافسة، ونحن بحاجة إلى تفتيت الشركات العائلية العملاقة وإجبارها على الدخول إلى السوق وأن تتولى جمعية حماية المستهلك أو وزارة التجارة أو مجلس المنافسة رفع قضايا بهذا الشكل في المحاكم المختصة.

* نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.