.
.
.
.

ماذا تحمل لنا توجهات الإسكان الأخيرة؟

عبدالحميد العمري

نشر في: آخر تحديث:

التزاما بما أشرت إليه في الجزء الثاني من مقال "إلى وزارة الإسكان ومجلس الشورى" يوم الأربعاء الماضي، حول ضرورة التوسع في مناقشة التوصية الخامسة لمجلس الشورى الصادرة منتصف الأسبوع الماضي، التي أعلنت عن عدم موافقة أعضاء المجلس على التوصية بمطالبة وزارة الإسكان بعقد شراكات مع الأجهزة الحكومية، لتأمين مساكن مناسبة لمنسوبيها، حيث تتولى وزارة الإسكان إعداد القواعد والسياسات المنظمة لمنح الأجهزة الحكومية الأراضي، وتنسيق التمويل المناسب لها. وبررت لجنة الحج والإسكان والخدمات عدم موافقتها بعدد من التبريرات سبق استعراضها.

وكما أوضحت في المقال الأخير؛ فإن هذه التوصية بالرفض تتعارض في الأصل مع الأمر الملكي الكريم رقم أ/70 وتاريخ 13/4/1432هـ الذي نص على أربعة بنود، من أهمها ما ورد في البندين الأول والثاني، حيث نص البند الأول على قيام وزارة المالية بشكل عاجل بمناقشة الجهات العسكرية بشأن أي حقوق أو التزامات مالية لمنسوبيها، والتأكد من صرفها. ونص البند الثاني على قيام الجهات العسكرية كل على حدة بمناقشة احتياجاتها لإسكان منسوبيها مع وزارة المالية. بناء عليه، يمكن القول إن التوصية بالقبول أو عدمه من قبل مجلس الشورى في هذا الشأن لا وزن لها أمام نص أمر ملكي كريم واضح وصريح، وأن على وزارة المالية المضي قدما في تنفيذ الأمر الملكي الكريم بالتنسيق مع الجهات العسكرية ذات العلاقة، دون الالتفات إلى هذه التوصية.

لقد التفت الأمر الملكي الكريم إلى أحد أهم أوجه أزمة الإسكان والتنمية وأثقلها وزنا، المتمثل في ضرورة إسراع الأجهزة الحكومية إلى تلبية احتياجات منسوبي الجهات العسكرية في مجالي الصحة والإسكان والحقوق والالتزامات المالية المتعلقة بهم، لما تتسم به من اعتبارات وطنية عليا، تتعلق بحماية مقدرات البلاد والعباد من أي مثبطات أو معوقات، يقتضي مواجهتها على وجه السرعة، والعمل الجاد على معالجتها كأولوية لا يتقدم عليها أي اعتبار آخر مهما كان وزنه. ولأننا في مواجهة أزمة استثنائية، فلا بد في مواجهتها من اتخاذ حلول وتدابير استثنائية أيضا، كون وزارة الإسكان التي لم تنجح طوال عقد زمني مضى من تحقيق أدنى درجات الإنجاز المأمولة تجاه الشرائح الاجتماعية الأكثر استحقاقا، لا أظن أحدا يتوقع ولو بنسبة واحد في المليون وفقا لحجم الأزمة الراهن، ولبطء درجة الإنجاز إن وجدت من الأصل، أن تنجح هذه الوزارة وحدها دون شراكة الجهات العسكرية في تلبية احتياجات منسوبي تلك الجهات! بل يتوقع بتنفيذ نص الأمر الملكي الكريم في هذا الشأن تحديدا؛ أن يخف كثيرا العبء على وزارة الإسكان، لتتفرغ بدورها للقيام بمسؤولياتها الجسيمة تجاه بقية شرائح المجتمع، وتلبية احتياجاتهم من الإسكان، مع أهمية الإشارة إلى ضرورة واشتراط تغير رؤيتها تجاه خيارات الحلول التي تبنتها خلال الفترة الأخيرة، التي تركزت فقط على تعزيز جانب الطلب، عبر زيادة وتوسيع خيارات التمويل والقروض على كاهل المواطنين، دون أي اعتبارات من لدنها تجاه تضخم أسعار الأراضي والعقارات وإيجاراتها المبالغ فيها.

لهذا يفترض في مجلس الشورى أن تقوم لجنة الحج والإسكان والخدمات، وهي التي غاب عنها تماما هذا الأمر الملكي الكريم، بإعادة النظر كلية إلى ملف الإسكان والتحديات المرتبطة به، ليس فقط فيما يختص بمضمون هذا الأمر الملكي الكريم؛ بل في كل ما صدر عنها من توصيات ومقترحات ترتبط بأزمة الإسكان، التي كشفت بكل أسف أنها مع وزارة الإسكان يقفان خارج الدائرة الأساسية لمصدر أزمة الإسكان، وأن حلول زيادة التمويل وتنويع خياراته على كاهل المواطنين، مقابل عدم المساس بالمصادر الرئيسة لتشوهات سوق الإسكان "احتكار الأراضي، وزيادة المضاربات عليها"، ستواجه شللا حقيقيا فوريا لن يطول كثيرا زمن انتظار اصطدامنا جميعا به!

سبق أن كتبت لمجلس الشورى قبل أقل من شهر من تاريخه في مقال "هل زيادة قروض الأفراد حل لأزمة الإسكان؟"، وتحذيره من الاندفاع وراء مطالب وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقارية، التي تهرول خلف ضخ القروض العقارية على كاهل المواطنين، دون النظر إلى الأسباب الرئيسة للخلل والتشوهات في جسد السوق العقارية المحلية، وأن هذا الطريق البالغ الوعورة سيقود البلاد والعباد إلى تحمل أعباء مديونيات طائلة جدا على أفراد المجتمع، وهي التي وصل مجموعها حتى منتصف العام الجاري إلى نحو 933.0 مليار ريال "56.3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي 2015"، تشكلت من مجموع القروض المصرفية الاستهلاكية والعقارية وبطاقات الائتمان، وقروض صندوق التنمية العقارية والبنك السعودي للتسليف والادخار، وقروض شركات التقسيط والتمويل خارج القطاع المصرفي "قروض الظل المصرفي".

تحمل الموافقة على أي حلول أو قرارات تستهدف زيادة التمويل العقاري، تحت أثقال التشوهات الخطيرة المتكدسة في أحشاء سوق العقار والإسكان، أؤكد أنها تحمل الكثير من تفاقم المخاطر ومسببات تفاقم الأزمة أكثر مما هي عليه في الوقت الراهن، لعل من أخطرها ما يلي:

(1) السماح بزيادة المديونية على كاهل أفراد المجتمع لأعلى من رصيدها الهائل الحجم الآن، إلى ضعف هذا الرصيد خلال أقل من عقد من الزمن.

(2) وفقا لسيناريو حلول وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقارية، يحتمل أن تتجه أسعار الأراضي والعقارات إلى مزيد من الارتفاع الأكثر خطورة مما هو عليه في الوقت الراهن، وهذا يعني فورا الزيادة في تكلفة الإنتاج والمعيشة، من خلال استمرار ارتفاع تكاليف إيجار المحال والمراكز التجارية والمساكن، وبدورها ستندفع دون قيد أو شرط إلى ارتفاع أسعار المنتجات والسلع والخدمات، ولك أن تتخيل خلاصة هذه النتائج على الدخل المتاح للأفراد بعد استقطاع أقساط القروض المصرفية وإيجار المسكن وتكلفة المعيشة!

(3) بالموافقة على السماح بمزيد من اقتراض الأفراد، وفي غياب لأي إجراءات تحد من ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات حتى تاريخه، ماذا سيبقى من حلول في المستقبل كي نزيد من القوة الشرائية للأفراد، في الوقت ذاته الذي كما يبدو من الحلول الراهنة أنها تدافع عن الأسعار المتضخمة كي لا تنخفض؟ هل سيأتي اليوم الذي سيصبح السعر المتوسط للمسكن التقليدي في منظور الأعوام المقبلة أعلى من 5.0 ملايين ريال أو 8.0 ملايين ريال؟

(4) ستواجه السياسات الاقتصادية المختلفة وفقا للسيناريو الراهن عجزا تاما أمام تحديات ارتفاع تكلفة الإنتاج وتكاليف معيشة الأفراد، وارتفاع حجم المديونيات على الأفراد، وستتلاشى خياراتها للتعامل مع هذه التحديات التنموية الجسيمة.

(5) أخيرا، ماذا ينتظر القطاع المالي من مخاطر بعد الموافقة على هذا القرار وما سيليه من قرارات وإجراءات تستهدف زيادة القروض على كاهل الأفراد، التي سيرافقها دون أدنى شك ارتفاع درجات انكشافه أمام تعثر الأفراد عن سداد مديونياتهم، وهو أمرٌ لا بد من حدوثه وفق هذا السيناريو، فلن تستمر أسعار الأراضي والعقارات في الارتفاع المخيف الراهن إذا ما توقفت قسرا نوافذ استعارها وتضخمها، ما الذي سيبقى من خيارات أمام مؤسسة النقد لحماية القطاع المالي من هذه المخاطر الوخيمة؟ فهل من منصت لما ينتظرنا من مخاطر جسيمة؟ والله ولي التوفيق.

* نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.