البيع على المكشوف

زياد الدباس
زياد الدباس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

يشير كثر من المحللين والوسطاء والإعلاميين في المنطقة إلى ان عمليات «البيع على المكشوف» في أسواق الأسهم العربية أصبحت من الأسباب الرئيسة لتراجع أسعار الأسهم ومؤشرات الأسواق، وهذا يتعارض مع تعليمات الجهات الرقابية، ومنها، مثلاً، هيئة الأوراق المالية الإماراتية التي أكدت في بيان أخيراً ان الأنظمة الفنية وآليات التداول في الأسواق المالية الإماراتية لا تسمح بالبيع على المكشوف ولا تدعمه إلا وفق قرار لمجلس إدارة الهيئة صدر في 2012، وعرّف البيع على المكشوف بأنه «بيع المستثمر ورقة مالية لا يملكها أو ورقة مالية مقترضة»، وسمح لـ «صانع السوق» فقط بإجراء عمليات البيع على المكشوف، «إضافة إلى الحالات الأخرى التي توافق عليها الهيئة».

وأوضحت الهيئة ان «أي ممارسات يجري فيها البيع على المكشوف تعد مخالفة صريحة لأنظمة الهيئة وتشريعاتها، وتعرّض مرتكبيها إلى إجراءات قانونية ملائمة»، مشيرة إلى ان «مفهوم البيع على المكشوف يعني بيع المستثمر الأسهم التي يقترضها على أمل انخفاض سعرها مستقبلاً، ثم يشتريها ويعيدها للمقرض بحلول تاريخ التسوية، أو بيع المستثمر أسهماً لا يملكها، وبحلول تاريخ التسليم يشتريها من السوق ويعطيها للمشتري، أو يقترضها من آخر ويسلمها للمشتري، ثم يشتري تلك الأسهم بعد ذلك لمصلحة المقرض».

ويهدف البائع من هذه العملية إلى تحقيق هامش ربح مجدٍ، فهو يتوقع انخفاض سعر الأسهم بعد بيعها، ومن ثم شراءها بسعر أقل من سعر البيع، أما إذا ارتفع سعر الأسهم محل الصفقة بعكس المتوقع، فتلحق بالمستثمر خسارة بمقدار الارتفاع. وأهاب البيان بمن يعلم بوقوع عمليات غير قانونية لبيع الأوراق المالية على المكشوف، عدم التردد في التقدم ببلاغ أو شكوى إلى الهيئة، كي تتولى التحقيق وفرض العقوبات المناسبة.

لا اتفاق بعد على مضار البيع على المكشوف أو منافعه. يبرر الوسطاء الماليون البيع على المكشوف بأنه يساعد في رفع كفاءة الأسواق المالية من خلال اكتشاف أفضل الأسعار وتأمين أكبر مقدار من السيولة، فيما يتساءل الأكاديميون هل من الأخلاق جني الأرباح من تراجع أسعار أسهم أي شركة، وهل من الأخلاق ان يحقق مديرو صناديق الاستثمار والتقاعد، أرباحاً وعائدات عالية من إقراض أسهم الشركات التي يتولون إدارتها واستثمارها وهم على علم ان إقراض هذه الأسهم مقابل الحصول على رسوم محددة يسهل عمليات البيع على المكشوف ذي التأثيرات السلبية لهذا البيع في قيمة الأسهم التي يملكونها؟

وإذ يعزز البيع على المكشوف كفاءة السوق، تصب هذه الكفاءة في معظم الأحيان في مصلحة المضاربين في الأجل القريب، وفق الخبراء، فيما يرى أهل الصناعة، في محاولة للتهوين من المخاوف الأخلاقية، ان الهدف من البيع على المكشوف هو التحوط وليس تحقيق الأرباح من هبوط الأسعار. وبالتالي يجري الترويج للبيع على المكشوف على أنه أداة لإدارة الأخطار وتحقيق أفضل توازن ممكن بين العائدات والأخطار. وارتفاع أخطار البيع على المكشوف في أسواق الإمارات، مثلاً، يعود إلى انخفاض عمق هذه الأسواق وضعف سيولتها وسيطرة سيولة المضاربين على حركتها وضعف الاستثمار المؤسسي، ما يسهّل تحقيق أهداف البائعين على المكشوف لجهة تخفيض الأسعار اعتماداً على الشائعات ومن ثم رفع هذه الأسعار لأسباب غير موضوعية من اجل تحقيق مكاسب سريعة للبائعين.

ويرى المتخصصون ان البيع على المكشوف يساهم في عدم المبالغة في رفع الأسعار فوق قيمتها العادلة أو خلق فقاعات، كما يساهم في الكشف عن التلاعب بالبيانات المالية للشركات للتأثير في الأسواق، وبالتالي يمكن ان يؤدي البيع على المكشوف دوراً في وقف فقاعة أسعار الأسهم في أسواق المنطقة خلال فترات طفرتها. وحظرت أربع دول في منطقة اليورو، هي بلجيكا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا، لأسبوعين على الأقل البيع على المكشوف أثناء الأزمات المالية العالمية، وقررت تمديد الحظر عند الضرورة. وتتهم هيئة مراقبة الخدمات والأسواق المالية الأوروبية عمليات البيع على المكشوف بالوقوف وراء جزء من انهيار الأسواق المالية بعدما أصبحت العمليات مخلة بقواعد العمل المالي حين اقترنت بشائعات.

ويعزو بعض المحللين وقف عمليات البيع على المكشوف في الدول الأوروبية إلى ارتباك أسواق المال والخوف والذعر اللذين دبا بين المتعاملين، علماً أن دولاً كثيرة تخلت عن حظرها لهذا البيع، ومنها بريطانيا. وفي المقابل يرى المؤيدون للبيع على المكشوف أنه يرفع سيولة الأسواق ويخلق عمقاً كافياً يساهم في وقف تلاعب سيولة المضاربين بأسعار الأسهم من خلال تأمين كميات كبيرة من الأسهم تملكها الصناديق السيادية والاستثمارية التي تستثمر في الأجل البعيد.

ولا بد من الإشارة إلى قيام هيئة سوق المال الأميركية عام 2008، بالتشاور مع مجلس الاحتياط الفيديرالي، بمنع البيع على المكشوف لأسهم 800 شركة مالية لثلاثة أسابيع لحماية أسعار أسهمها من الانهيار نتيجة تركيز المضاربين على هذه الأسهم. وتؤكد إدارة الهيئة ندمها على هذا القرار.

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.