مؤتمر أوبك القادم لن يكون سهلا، والمناخ كذلك..
إن ضعف أسعار النفط مرتبط بشكل مباشر بارتفاع المعروض عن حاجة السوق، ولكن لا أحد يعرف بتيقن توقيت تعافي الأسعار، ويتساءل البعض هل بالإمكان تعافي أسعار النفط؟ والإجابة بكل بساطة هي بسحب ما يقارب مليون برميل يوميا من المعروض في السوق بدون أي اعتبار من يتحمل مسؤولية سحب الفائض من السوق، ولكن لا بد من التنبه بأن هذا الحل سيكون قصير الأمد ربما أشهر قبل أن يعود السوق للاختلال بفعل ارتفاع نشاط الحفر والإنتاج مع ارتفاع الأسعار، خصوصا في مناطق الإنتاج ذات التكاليف العالية مثل الولايات المتحدة الأميركية، وعليه فإن الأمر ليس بهذه السهولة التي يتصورها البعض، واجتماع أوبك يوم 4 ديسمبر 2015 لن يكون سهلاً رغم توقعات تحسن أساسيات السوق كما يراها تقريباً المراقبون، خصوصاً مع هبوط الإنتاج من خارج الأوبك واستمرار تعافي الطلب وارتفاع الطلب على نفط الأوبك، وهناك من يضع الطلب على نفط الأوبك خلال عام 2016 عند 32 مليون برميل يومياً، وارتفاع الطلب العالمي على النفط بمعدل سنوي عند 1.8 مليون برميل يومياً، وهذه التوقعات وإن كانت تعبر عن حالة من التفاؤل إلا أن هناك ما يبررها من أساسيات السوق النفطية، ولابد من اعتبار إمكانية حدوثها، وهذه في الجملة أمر حسن خصوصاً إذا ما تزامنت هذه الأجواء مع عودة النفط الإيراني للسوق النفطية.
ومما يلاحظه المراقبون أن كثيرا من التوقعات رفعت تقديراتها لمعدل الطلب على النفط خلال عام 2015، وهو موضوع قد أشرت إليه وتوقعته في مقالات سابقة، ولكن الشاهد من ذكر الموضوع هو أن خفض التقديرات للطلب العالمي على النفط قد أسهم بلا شك في تقديم صورة مبالغ فيها لاختلال ميزان الطلب والعرض ورفع توقعات مستوى المخزون، الأمر الذي أسهم في ضعف أسعار النفط بلا مبررات كافية أو دقيقة.
وعلى صعيد آخر، تشهد العاصمة الفرنسية باريس قمة الأمم المتحدة لتغير المناخ يشارك فيها رؤساء دول يصل عددهم إلى 147 شخصية، ويشمل المشاركون ٢٠٠ دولة وذلك في بداية شهر ديسمبر 2015 للوصول إلى اتفاق دولي يُحد من انبعاثات الكربون ويحمى الأرض من ارتفاع درجات الحرارة، ويضخ مزيداً من الاستثمارات في هذا المجال.
ومما يميز هذا التجمع الدولي هو تعهد الولايات المتحدة الأميركية والصين بخفض كبير في انبعاثات الكربون، فقد تعهد الرئيس الأميركي بخفض ما يفوق 28% من انبعاثات الكربون من المستويات التي كانت عليها في 2005 وذلك بحلول عام 2025، كذلك أعلنت الصين أنها ستبدأ بوضع شروط وقيود أمام الشركات بدءا من عام 2017 تصب في هذا التوجه، ولكن الأخبار الرسمية الصادرة عن الصين والتي نقلتها جريدة إنترناشونال نيويورك تايمز، تؤثر على مصداقية الصين في هذا السياق حيث تؤكد الأرقام الجديدة قيام الصين بحرق كميات أكبر من الفحم محلياً خلاف ما أعلنت سابقاً.
ولعل من المشكلات التي يواجها المفاوضون هناك هي مسألة التمويل، وآلية وارسو الدولية للخسائر والأضرار، الي جانب المساهمات المحددة على المستوى الوطني.
وقد أعلنت 170 دولة والتي تساهم أيضا بمجملها في 90% من إجمالي انبعاثات الكربون في العالم عن عروضها وبرامجها لخفض الانبعاثات الضارة.
ويرى المراقبون أن باريس تمثل نقطة تحول في المفاوضات والتوصل إلى اتفاق من حيث القبول بوضع مختلف الدول المشاركة برامج طوعية ليس بالضرورة تخضع لرقابة دولية تستهدف خفض انبعاثات الكربون.
ويلعب الصندوق الأخضر للمناخ التابع للأمم المتحدة دوراً محورياً في خطة تم الاتفاق عليها عام 2009، حيث كانت السيدة هيلاري كلينتون وزير الخارجية الأميركية آنذاك، وقد تعهدت بأن تقوم الدول الغنية بموجبها بمنح الدول النامية 100 مليار دولار سنويا من الموارد العامة والخاصة اعتبارا من عام 2020 لمكافحة انبعاثات الكربون، وقالت الدول النامية إن الصندوق مهم للتوصل إلى اتفاق في باريس للحد من درجات الحرارة الآخذة في الارتفاع.
وتعمل البلدان الصناعية المتقدمة باتجاه بناء هذا الصندوق بقيمة إجمالية تدور حول ١٠٠ مليار دولار أميركي بحلول عام ٢٠٢٠ والتي تهدف لتمويل مشاريع خفض انبعاثات الكربون خصوصا في الدول الفقيرة، وعموماً فإن الدعم المادي للصندوق مازال خجولاً وهي في جملته تعهدات، فقد تعهدت الولايات المتحدة بدفع ٣ مليارات دولار للصندوق، ويحاول الرئيس أوباما الحصول على اتفاق الكونغرس من أجل تسهيل عمل دفعة مبدئية مقدارها ٥٠٠ مليون دولار ويلاقي صعوبات في ذلك، من جهة أخرى تعهدت الصين بتقديم ٣ مليارات دولار للصندوق، كذلك الخلاف هل الاتفاق سيكون ملزما لكل الدول.
حيث لا تريد الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب البلدان الناشئة على وجه العموم أن يكون الاتفاق حول الإسهام في التمويل مُلزماً ولكن طوعياً، وأن أي اتفاق من دون مراعاة للبلدان الناشئة يشكل تحدياً كبيرا أمام نموها الاقتصادي الذي يعتمد على الوقود الأحفوري في أكثر الأوقات، كما أن مبدأ المسؤولية ظل محل خلاف وتأخر للتوصل إلى توافق منذ التسعينيات.
كما تؤكد الدول النامية على المبادئ الرئيسية للاتفاقية الإطارية لتغير المناخ، وبالخصوص مبدأ المسؤولية المشتركة ولكن المتباينة الأعباء والعدالة، إضافة إلى ضمان الحق الأساسي وهو محاربة الفقر وتحقيق الأمن الغذائي وحق تحقيق التنمية المستدامة للبلدان الناشئة.
وتدعو الدول النامية إلى ضرورة الالتزام القانوني بالمساعدات المالية والتكنولوجية بمعنى أن الالتزام يطبق على الجميع، وأن تكون آليات الالتزام واضحة وشفافة وتطبق على الجميع، وأن تشكل الآلية القانونية بالتساوي بين الدول المتقدمة والنامية.
وقد أكدت الدول النامية على التمايز في اتفاق باريس فيما يخص المساهمات المحددة على المستوى الوطني، وفقا للالتزامات للأطراف بموجب الاتفاقية، وأن يعكس هذا التمايز مبادئ المسؤوليات المشتركة لكن المتفاوتة ومبدأ الإنصاف والشفافية والتنمية المستدامة.
* د. محمد الشطي، محلل نفطي