صعوبات دون تعزيز نمو الاقتصاد الفرنسي
بعدما بدأ الأمل يعود تدريجاً الى المسؤولين الفرنسيين لناحية التحسّن الطفيف في معدل النمو الاقتصادي للبلد بعد تسعة أشهر من العام الحالي، والحديث عن خرق نسبته ما دون الصفر في المئة إلى نحو 1.3 في المئة، جاءت العمليات الإرهابية لتبدّد هذا الأمل الضعيف أساساً، وتعود باقتصاد فرنسا الى المربع الأول. ومع الإقرار بأن الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند وفريق عمله، تعاطوا بنجاح مع التداعيات الأمنية وحتى الاجتماعية عبر الإجراءات التي اتخذوها بسرعة لضبط الأوضاع، ومحاولة دفع الحركة التجارية إلى حال أفضل كي لا نقول إلى سابق عهدها، وتشجيع الاستهلاك عشية عيدي الميلاد ورأس السنة، إلا أن تشكيك المحللين الاقتصاديين لا يزال في مكانه لناحية عدم قدرة الحكم في فرنسا على استنهاض نمو الاقتصاد، على رغم أن استطلاعات الرأي لعدد من المؤسسات المختصة أفادت في الأول من الشهر الجاري، بأن شعبية هولاند زادت في شكل قياسي بعد هذه الاعتداءات وطريقة التعاطي معها بنسبة تفوق 35 في المئة.
ومع وجود هذه الإيجابيات على صعيد إدارة دفة الحكم، وإعادة الثقة بقدرات الدولة الأمنية، إلا أن تحريك عجلة الاقتصاد لا يبدو أنه سيكون على الموعد. فالأسباب الذاتية والموضوعية متعدّدة. فهي لن تسمح على الإطلاق باستنهاض معدلات النمو وإخراج الاقتصاد الفرنسي وماليته من حال الركود السائدة، حالها حال غالبية الدول الأوروبية، ما عدا ألمانيا وبريطانيا. وإذا كان البعض يروّج لنجاح الاقتصاد الفرنسي في ثباته تجاه انعكاسات العمليات الإرهابية، بخاصة بعد افتتاح المطاعم ومعظم المعالم السياحية والمحال والمراكز التجارية الكبرى وممارسة أعمالها عشية الأعياد، ويؤكد أن الشعب الفرنسي لن يذعن لعقدة الإرهاب، إلا أن القطاعات الأساسية الأخرى المكوّنة لهذا الاقتصاد تبقى في حالة ترقّب وتردّد لزيادة الاستثمارات والتوظيف، بغض النظر عن تمسّك البعض في الأوساط المالية والمصرفية بمقولة أن البورصة وغالبية مؤشراتها لم تتأثر بما حدث، ما عدا مؤشر سهم شركة «آر فرانس كاي أل أم» الذي تراجع بحدة، وأيضاً مراوحة الأسهم الأخرى في انتظار ما سيكون.
وفي ظلّ آفاق نمو الاقتصاد الفرنسي، هناك إقرار ضمني حتى لدى المسؤولين عن السياسات الاقتصادية والمالية المقرّبين من دوائر القرار في الحكم، بأن تداعيات ما حدث ليست بالبسيطة، خصوصاً أن الدَين العام لفرنسا ضخم جداً. تضاف الى ذلك، النفقات الزائدة والمتراكمة نتيجة زيادة انتشار الجيش في بلدان أفريقية، والآن بعد الدخول في الحرب على تنظيم «داعش» في كلّ من سورية والعراق، والكلفة الكبيرة التي لم تقدّم الحكومة أية أرقام في شأنها. وفيما تحاول جمعية أرباب العمل (ميديف) توسيع رقعة نشاطاتها لجذب استثمارات وعقد صفقات تجارية، بخاصة في منطقة الخليج العربي، والتركيز مجدداً على السوق الإيرانية، فليست هنالك ضمانات واضحة في هذا الشأن لناحية تحقيق نتائج. إذ إن الدول الخليجية تقوم بإعادة النظر في إنفاقها وإدراج إصلاحات جوهرية وشدّ الأحزمة للحفاظ على التوازنات المالية وخفض العجز تحسباً لانخفاض إضافي لأسعار النفط.
أما بالنسبة الى السوق الإيرانية، فإن المفاوضات التي جرت منذ أشهر مع إيران لا تزال حبراً على ورق ومجرد وعود بدرس الطلبات الفرنسية. وجاء تأجيل زيارة الرئيس روحاني لباريس بعد الاعتداءات الإرهابية، ليضعف هذه الآمال. كما لم تأتِ زيارة الرئيس هولاند الأخيرة لروسيا ولقاؤه الناجح برئيسها بوتين من أجل التحالف ضد «داعش»، بأي جديد لناحية رفع المقاطعة الأوروبية المفروضة على موسكو، والتي أدت إلى خسارة الشركات الفرنسية كما الألمانية تحديداً، سوقاً استهلاكية مهمة لبضائعها لم تعوض جزءاً منها الولايات المتحدة.
أما في ما يتعلق بالشركات الصغيرة والمتوسطة التي تساهم بجانب كبير في عملية النمو الاقتصادي لفرنسا، فإن أصحابها يخشون من استمرار حالات الاستنفار الأمني، ويشكون من تراجع مبيعاتهم في شكل ملحوظ، خصوصاً خلال فترة الأعياد، حيث لجأت هذه المؤسسات إلى تطبيق مبدأ الحسم قبل الأوقات المحددة رسمياً. ناهيك عن أن الدولة لم تعد قادرة في هذه المرحلة على الوفاء بتعهداتها السابقة لناحية تقديم الدعم لهذه الشريحة من الشركات، بسبب توجيه النفقات الإضافية الى الجوانب الأمنية. يضاف إلى ذلك، اضطرار الحكومة إلى توظيف خمسة آلاف جندي إضافي وثلاثة آلاف من قوى الأمن لتفادي تكرار الثغرات الأمنية التي سمحت بتنفيذ العمليات الإرهابية. لذا كسر الرئيس هولاند ما كان يسمى «ميثاق الاستقرار» الذي تفرضه المفوضية الأوروبية، والذي كان يقتضي بعدم لجوء أية دولة الى زيادة دَينها في مواجهة أية حاجات مالية. ما يعني أن فرنسا ستلجأ الى الاقتراض من الأسواق المالية العالمية، حتى لو لم يتم الحديث عن ذلك حتى الآن.
ويؤكد محللون اقتصاديون أن الحكومة الفرنسية تتحفظ عن إعطاء أية تقديرات لكلفة تداعيات العمليات الإرهابية، مكتفية بالإشارة الى القطاعات التي تتأثر بما حدث مثل قطاع النقل، بخاصة الجوي، والسياحة، مذكرين بأن الأخيرة حققت عائدات قياسية من حيث عدد السياح الذي من المتوقع أن يصل بنهاية السنة الى 85 مليوناً. لكن يجب التذكير هنا، بأن غالبية هؤلاء كانوا زاروا فرنسا قبل العمليات الإرهابية.
وفي المدى القصير، يلاحظ أن المستثمرين يهتمون بنقطتين أساسيتين: الأولى تتمثل بالتساؤل عن أبعاد ما حدث وتأثيره في سلوك الرأي العام الفرنسي لناحية التقشّف بالاستهلاك، ما يترك انعكاسات لا يجوز التقليل من أهميتها على معدلات النمو. وثانيها يتعلق بنوايا استثمار الشركات والمجموعات الكبرى في المستقبل القريب. من جهة أخرى، وعلى المدى المتوسط، لا يجب أن يستهان بالتأثيرات السلبية التي يمكن أن يتركها التشدّد الاستثنائي على الحدود، ما يمكن أن يجر معه ضغوطاً تجارية على الشركات والمصانع في دول الجوار، ويعتبره المحللون في مثابة نبأ غير سار للاقتصاد الأوروبي.
* نقلا عن صحيفة " الحياة "