.
.
.
.

تقرير مكنزي ومعوّقات تحقيق الأهداف

أنور أبو العلا

نشر في: آخر تحديث:

الخطأ الكبير -كما وضّحنا الأحد الماضي- الذي ارتكبه تقرير مكنزي هو أنه وضع أهدافاً غير واقعية لسنا في حاجة إليها وتجاهل الأهداف الواقعية التي نحن نحتاجها. فنحن لا نحتاج الى مضاعفة ناتجنا الريعي غير المستدام بل نحتاج الى تحويله من ناتج ريعي غير مستدام الى ناتج حقيقي مستدام.

كذلك نحن لا نحتاج الى خلق ستة ملايين وظيفة جديدة لتكون عبئاً على اقتصادنا المتكدّس بالوظائف الوهمية ووظائف البطالة المقنّعة والعمالة الأجنبية المسرّحة على أرصفة الشوارع بل نحتاج إلى تدريب وتأهيل وإحلال العامل الوطني مكان عامل السخرة الأجنبي غير المتدرب الذي جئنا به ليتدرب على رأس العمل عن طريق تكرار الخطأ ثم تصحيحه وهكذا الى أن يجيد فنون المهنة ثم يرحل بخبرته ونأتي بعامل آخر ليتدرب على الحلاقة في رأس اقتصادنا الأقرع.

وهكذا بالتالي إذا استطعنا تحقيق هذين الهدفين المصيريين اللذين نحتاجهما بإلحاح سيتحقق تلقائياً كتحصيل حاصل الهدف الثالث وهو مضاعفة متوسط دخل الفرد الحقيقي المستدام.

ثم نأتي الآن لجانب تمويل البرنامج التريليوني حيث يضع التقرير -بشطحة قلم- أمامنا على الورق المصقول بالحبر الملوّن بالأصفر والأخضر والأزرق رقم أصم قدره: 15 (خمسة عشر) تريليون ريال وكأنها خمسة عشر ريالاً تنتظرنا أن نمد يدينا ونخرجها من حصّالة القطاع الخاص.

لقد ناقشنا في مقال الأسبوع الماضي إمكانيات الاستثمار المحلي بجانبيه الخاص والحكومي وتبينا محدودية توفير جزء كبير من المبالغ المطلوبة فماذا عن الاستثمار الأجنبي؟

الاستثمار الأجنبي: لقد بلغ إجمالي صافي تدفقات الاستثمار الاجنبي (وفقاً لميزان المدفوعات) زايد عوائده المعاد استثمارها على مدى 35 سنة (1981 – 2015) حوالي 956 مليار (0.956 تريليون) ريال وهذا يعطينا مؤشراً عاماً عن مدى قدرة اقتصادنا على جذب الاستثمارات الأجنبية خلال الخمس عشرة سنة القادمة وهو -بأي حال من الأحوال- لا يشجعنا على الركون عليه بتوفير مبالغ كبيرة.

لماذا هذا المؤشّر لا يشجع على التفاؤل؟ لسبب بسيط وهو اذا كان على مدى 35 سنة رغم كل التسهيلات والتنازلات والاعفاءات وأحقية المستثمر الأجنبي الحصول على نفس المزايا والدعم السخي الذي يحصل عليه الاستثمار الوطني بما فيه امكانية استقدام إلى حد: 90 % من عماله من الخارج بأرخص الأجور الميزة التي لا يمكن ان تقدمها للاستثمار الأجنبي أي دولة أخرى في العالم. اضافة الى عدم وجود أي قيود على إخراج أرباحه بالكامل مقابل دفع ضريبة قدرها 20 % فقط من صافي الارباح.

اضافة الى هذا كله نجد ان معظم الاستثمارات الأجنبية تتركز في قطاعات التعدين وتكرير البترول (المصافي) والبتروكيماويات وتوابعها التي كانت (وتم رفع بعضها نسبياً مؤخراً) تحظى بدعم اللقيم والمحروقات والبترول الخام ما جعل الصناعات المنافسة في الدول الأخرى تشتكي لحكوماتها بأنها تعاني من سياسات الإغراق من المنتجات والبتروكيماويات السعودية.

أما بقية الاستثمارات الأجنبية فهي عموماً يغلب عليها طابع الاستثمارات التي تتناسب مع ظروف المواطنين وبالتالي يجب تخصيصها للمواطنين وتوجيه وتشجيع المواطنين للاستثمار فيها (كالمطاعم، والبقالات الصغيرة، وتجارة التجزئة، والمؤسسات المتوسطة والصغيرة) وقد يسبب -بل فعلا سبب- فتحها على مصراعيها للأجانب منافستهم للمواطنين بل وبمرور الزمن أدى الى طرد المواطنين من الاستثمار فيها وسيطرة الأجانب عليها.

نعم رغم كل هذه المزايا والحوافز والضمانات الممنوحة للمستثمر الأجنبي لم يتجاوز اجمالي الاستثمار الأجنبي المتراكم على مدى 35 سنة الماضية 0.956 تريليون ريال (أي فقط 6.4 %) من الخمسة عشر تريليوناً المطلوب توفيرها خلال 15 سنة فقط لتمويل خطة مكنزي.

الأسبوع القادم -إن شاء الله– سنضع الخطوط العريضة لخارطة طريقنا إلى التحول من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج.

* نقلا عن صحيفة " الرياض "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.