.
.
.
.

اقتصاديات 2016 .. والتحدي المهاري الشخصي

طلال الجديبي

نشر في: آخر تحديث:

بدأنا هذه السنة بمجموعة من التحديات الاقتصادية التي تواجهها ثلاث فئات في الوقت نفسه: القطاع الحكومي والقطاع الخاص والأفراد. لم تكن هذه التحديات الاقتصادية جديدة، فقد ناقشها المختصون محليا وذكرها المختصون عالميا على مدى السنوات الفائتة، لكنها باتت مجربة ومحسوسة أكثر من ذي قبل خصوصا بعد أن هلت علينا بواكير أيام هذا العام الجديد: 2016.

ترتبط مجموعة التحديات هذه بقدرتنا على البقاء، والقدرة على الاقتراب من تحقيق طموحاتنا والوصول إلى مستوى ونوع المعيشة التي نريد. وهذا يرتبط بطريقة مباشرة بقدرتنا على النجاح داخل المنظمات التي نعمل فيها ومدى مواكبتنا للتغيير، إضافة إلى قدرتنا على تطوير مهاراتنا الشخصية وإدارة يومياتنا ـــ حتى خارج أماكن العمل ـــ بقدر معتبر من اللياقة الحياتية.

من طبيعة النفس البشرية أن تحذر عند الشعور بالخطر ثم تحتاط أكثر بعد التجربة. وكلما تبينت الموارد المتاحة لها أبدعت في إدارتها بالتركيز على ثلاثة جوانب: كيف تعظم استفادتها من الموارد؟ وكيف تؤخر نفادها؟ وكيف تتعرف على خلاصة الفائدة وتركز جهودها لتتمكن من الوصول إليها؟ وهذا تحديدا ما يسمى زيادة الإنتاجية وتقليل التكاليف ـــ أو زيادة الكفاءة ـــ والتعرف على القيمة الحقيقية التي تستحق التركيز وبذل الجهد. بالطبع، لا يخلو الأمر من خروج عن المسار لأسباب مختلفة مثل التشويش والفوضى والجهل وربما المبالغة في الرفاهية.

يدور فلك اقتصادنا في بحر الميزانية العامة التي رسمت ظروفها وأيامها بكثير من التفاصيل. وهذا يلمح إلى المستقبل الاقتصادي لمختلف الجهات بأنواعها، الحكومية منها والخاصة، حتى نراه في تفاصيل المعيشة اليومية لكل مواطن، سواء كانت النتيجة تحسنا حياتيا وقيمة أفضل أو ارتفاعا وجنونا في الأسعار.

من الطبيعي جدا أن تنعكس متطلبات تحسين الكفاءة على الجميع. وما يتم تداوله هذه الأيام من توقعات لترشيد الاستهلاك وخفض المصروفات على مستوى الشركات يؤكد ذلك. في نهاية الأمر سينفذ التغيير ـــ أو يقاومه ـــ العاملون في هذه الجهات بعد توجيههم من قبل قيادييها، حيث يتم الاعتماد أولا على الأكفاء الذين يتحولون بمهاراتهم ومعارفهم إلى محاور للتغيير داخل أماكن عملهم.

وليس مستغربا أن من يخدم منظمته، لأنه يملك المهارة والمعرفة، هو نفسه الذي يستطيع التغلب على الجانب الشخصي من التحديات الاقتصادية. من هذا المدخل، أي الأثر المباشر للتحديات الاقتصادية العامة على الأفراد، تتضح لنا أهمية مثلا ممارسات إدارة الأموال، التي تقوم أساسا على الكفاءة الشخصية والمهارات الحياتية العامة، ويتبع ذلك فهم الأساسيات الاقتصادية وإدراك القيمة العائدة لنا من سلوكياتنا الاستهلاكية. وهكذا، تزدهر عادات مثل الادخار والتخطيط المالي الشخصي والاستثمار المنضبط والسعي خلف زيادة المداخيل لتحل محل سلبيات أخرى دائما ما نراها مثل الهدر والفوضى والانغماس في عالم الكماليات واللاقيمة.

يكسب مثل هؤلاء عديدا من المكاسب، فهم منتجون داخل أماكن عملهم، يدفعون ويساعدون باتجاه التغييرات الإيجابية الكبرى، وهم كذلك محافظون داخل أسرهم على ترابط أفعالهم بأقوالهم، حيث نجد أن أهدافهم محددة وسعيهم نحو الأفضل وأسلوب معيشتهم يتحسن باستمرار ولا يتدهور. وليس في الأمر مفارقة حينما نكتشف أن مثل هؤلاء يختلفون عن غيرهم في التخلص من السخط اليومي ولا تجدهم يندبون حظوظهم بل ـــ وكما تذكر الوصايا تماما ـــ يبنى نجاحهم على الفشل وتتحول عقباتهم إلى محطات للقفز والنمو.

الجميل في الأمر أن فرص نجاحنا في مواجهة التحديات تتحسن كلما اتجهت القوى بالاتجاه والتوازن نفسه حتى تحصل على الاندفاع الكافي Momentum الذي يمكنها من التحرك بفاعلية والحفاظ على الإنجازات وتحقيق النتائج الجيدة والبناء عليها. لهذا، تختلف ـــ بإذن الله ـــ النتائج وتتحسن ما دامت المهام واضحة وموزعة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص وجميع المواطنين.

لن يحقق القطاع الخاص أي إنجازات إذا كان يعمل وحده حتى لو تبنى مبادراته وتكفل بها باستقلالية كاملة. ولن تنجح كل القطاعات مجتمعة في تحقيق فارق محسوس إذا لم يتحسس الفرد الحوافز المتاحة له وينطلق الجميع من القاعدة نفسها، تحركهم الهموم والأهداف ذاتها. لذا، تصب الأمور في نهاية الأمر من جميع النواحي نحو بوتقة واحدة هي بوتقة الفرد وكفاءته الشخصية. وفي وجود الاستراتيجية العامة والخطط الوطنية الطموحة لا يبقى إلا تحفيز ودعم الأشخاص ليلحقوا بقرنائهم ممن يقودون التغيير في الوقت الحالي.

*نقلاً عن صحيفة "الإقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.