.
.
.
.

خفض القروض العقارية .. ليس حلا

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:

كان صندوق التنمية العقارية يقدم الإقراض المباشر لمن تتوافر لديهم قطع أراض وينقصهم التمويل لبناء المساكن. ونجح الصندوق في البداية في تسريع تلبية طلبات إقراض المواطنين على بناء وتملك المساكن، عندما كان يحصل على الدعم المالي الكافي من المالية العامة. وأدى تراجع أسعار النفط وإيراداته في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي إلى تراجع مستويات الدعم المالي، بسبب العجوزات المالية التي شهدتها المالية العامة. واعتمد الصندوق في تلك الفترة على موارده الذاتية المتمثلة في تسديدات القروض القائمة، وذلك لتقديم قروض جديدة. وعانت موارد الصندوق الذاتية تخلف نسبة لا يستهان بها من المقترضين، كما أن إجمالي التسديدات أصلا لا يغطي إلا جزءا يسيرا من إجمالي القروض المطلوبة. وتسبب تراجع قدرات الصندوق المالية عن تغطية طلبات القروض العقارية في تراكم طلبات القروض وزيادة مدد انتظار القروض لأكثر من عشرة و15 عاما.

وعاد الدعم الذي تقدمه الدولة إلى الصندوق مع عودة الفوائض المالية في السنوات العشر الأخيرة، ولكن إلغاء شرط تملك الأرض للمتقدمين للحصول على تمويلات الصندوق زاد الطين بلة على قائمة انتظار القروض العقارية. وأدى إلغاء شرط تملك قطعة الأرض إلى صعود عدد المنتظرين من نحو نصف مليون منتظر إلى 2.6 مليون منتظر. ويفوق هذا الرقم عدد القروض التي قدمها الصندوق منذ إنشائه قبل 40 عاما بثلاثة أضعاف ونصف. وتقدر قيمة إجمالي القروض التي ينبغي صرفها للقضاء على قائمة الانتظار الطويلة نحو 1.3 تريليون ريال. ولو أردنا بحسبة بسيطة تقليص فترة الانتظار لهذه القائمة إلى نحو عشر سنوات، فينبغي توجيه دعم سنوي من الدولة يتجاوز 100 مليار ريال. ولو اعتمد الصندوق على موارده الذاتية فسيحتاج إلى أكثر من 200 سنة لتقديم هذا العدد من القروض. ويشير آخر تقرير منشور للصندوق إلى أن إجمالي تسديدات القروض لا يفي إلا باحتياجات عشرة آلاف قرض سنويا.

لقد أسس صندوق التنمية العقارية لمساعدة الأسر على إنشاء وتملك مساكن حديثة ومناسبة. ويقوم الصندوق بالعمل في جانب عرض المساكن ويزيد عددها ويخفض في الوقت نفسه الضغط على طلب المساكن الموجودة. وقد عدلت بعض شروط الصندوق وسمح له بتمويل شراء مساكن وشقق جاهزة أيضا، وزاد هذا التعديل الطلب على المساكن القائمة فعلا، ما رفع أسعارها. ولاحظ كثير ممن حاولوا شراء شقق سكنية بعد السماح للصندوق بتمويل شرائها، كيف ارتفعت أسعار الشقق بعدة مئات من آلاف الريالات. لقد وجِد الصندوق للقيام بمهمة محددة وهو مساعدة الأسر على إنشاء المساكن، وأي تغيير لمهام الصندوق سيلقي مهام إضافية على الصندوق. ولا بأس بإلقاء أعباء إضافية على الصندوق لو كان لديه موارد مالية فائضة عن احتياجاته القائمة. وعموما أعتقد أن ما يحتاج إليه الصندوق هو مزيد من الدعم للقيام بمهامه الحالية وليس مزيدا من الأعباء.

وتراجعت في الفترة الأخيرة الإيرادات النفطية التي تشكل معظم الإيرادات الحكومية، ولهذا فإن عودة الدعم لصندوق التنمية العقارية تبدو غير محتملة في هذه الفترة. ويلاحظ أن الصندوق لم يقدم قروضا سكنية خلال الأشهر القليلة الماضية، ومن المؤكد أنه سيعود إلى تقديم القروض ـــ في المستقبل القريب ـــ ولكن بأعداد منخفضة معتمدا على موارده الذاتية. وتكثر الاقتراحات حول عمل الصندوق وخصوصا عند تراجع الإيرادات، فقد كانت بعض المؤسسات الدولية توصي بتخصيص إقراض الصندوق للأسر منخفضة الدخل. ولم تقبل هذه التوصيات لأن الصندوق صمم لمنح قروض لجميع الأسر، ولارتفاع تكلفة إنشاء المساكن، ولصعوبة التأكد من دخول وثروات كثير من العائلات، وخوفا من حرمان المستحقين. ويصعب وضع خط دخل معين لمنع الاقتراض، حيث تتقدم الأسر التي بحاجة إلى التمويل للحصول على قروض، أما الأسر المقتدرة فلن ترهن عقارات غالية الثمن من أجل الحصول على قروض سكنية من الصندوق.

وتم اقتراح خفض قيمة القرض العقاري أخيرا. ويقوم خفض قيمة القرض العقاري بنفس دور خفض عدد القروض، لأنه يخفض إجمالي الائتمان المقدم لتملك السكن، بل إنه قد يعمق المعضلة لمحدودي الموارد. إن حل معضلة السكن يحتاج إلى مزيد من التمويل والدعم، وخفض قيمة القرض العقاري سيقلل من فاعليته في بناء المساكن وسيخفض الدعم ويزيد من عمق المعضلة. لقد ظلت قيمة القرض العقاري ثابتة عند 300 ألف ريال لعدة عقود، على الرغم من زيادة تكاليف إنشاء المساكن. ولم يخفض الصندوق قيمة القرض حتى في أوقات تدني الإيرادات النفطية في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. وقد رُفعت قيمة القرض أخيرا بسبب ارتفاع تكاليف إنشاء المساكن خلال 40 عاما الماضية. إن خفض قيمة القرض سيقلل من فاعلية الإقراض ومن قدرة المقترضين على إنشاء المساكن، خصوصا مع ارتفاع تكاليف إنشائها خلال السنوات الماضية. ولهذا من الأفضل ترك الصندوق يؤدي دوره التقليدي الناجح وتجنب أي تغييرات لنشاطه، لأنه أكثر الأدوات الحكومية حيوية ومساعدة للمواطنين في تملك المساكن، كما أن قروضه هي الأقل تكلفة على الحكومة من الناحيتين المالية والإدارية لكل وحدة سكنية.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.