.
.
.
.

نحن مَن يعلم أبناءنا الأخطاء الفادحة

إحسان بوحليقة

نشر في: آخر تحديث:

الحديث طاغ عن تراجع أسعار النفط، وتخفيض الدعم عن المحروقات والماء والكهرباء. هذا شق، ولكنه شق لن ينجح إلا بتوافر عناصر أخرى ولعلها أهم، وهي أن نتعلم جميعاً كيف نرفع كفاءتنا، أو انتاجيتنا إن رغبتم. الأمر لا يتصل فقط بتنمية إيرادات الخزانة، بل بولوج حقبة جديدة ترتكز إلى ما يضيفه كل منا لمجتمعه من قيمة، بما في ذلك القيمة المضافة للاقتصاد. إذاً نحن أمام فطام موجع، الفطام من النفط. هذا لا يتصل بكَ أو بي فقط، بل بنا جميعاً من الانفاق الحكومي الذي عماده النفط إلى القطاع الخاص المرتكز إلى الانفاق الحكومي بصورة مباشرة أو غير مباشر، إلينا في أنشطة حياتنا اليومية. هذه الحقيقة علينا مواجهتها وجهاً لوجهٍ دون مواربة.

الحقبة الجديدة هذه لن تجلب معها فقط تحولاً في هيكلة إيرادات الخزانة (من إيراداتٍ تعتمد على إيرادات النفط إلى إيراداتٍ غير نفطية تعتمد على رسوم وضرائب الأنشطة الاقتصادية)، بل كذلك الاعتماد على الذات ابتداءا! هذا أمر أخذنا ننساه على بساطتهِ وبداهتهِ.

يبدو أنه أصبح شائعاً بيننا أن لا نخدم أنفسنا ولا نقوم بواجباتنا، فمثلاً يصعب على شريحة واسعة تصور أن يقوم هو او هي بتنظيف غرفته أو جلي أطباقه او ملابسه المتسخة أو كي ملابسه؛ ليس لعدم امتلاكه الوقت أو القوة بل إما كسلاً صريح، أو لذاتٍ متضخمةٍ تدفعه لعدم قبوله القيام بهذه المهام حتى لو كان لخدمة نفسه بنفسه! ويبدو أن الأمر تجاوز المنزل ووصل إلى المدرسة، فعندما تطلب المُدرسة او المدرس عملاً فنياً أو لوحة لنشاط مدرسي معين، فمن التلاميذ من لا يقوم بنفسه بل يكلف أحد الدكاكين للقيام بذلك مقابل أجر، والجريمة تتجسد عندما لا يفوت التلميذ أن يذيل اللوحة او العمل الفني الذي صنعته يد من يعملون في «الدكان».. لا ينسى التلميذ اليافع أن يذيل العمل باسمه الثلاثي، ولا ينسى أن يتموضع اسمه في مكان بارز. ويستمر الأمر في الكليات والجامعات والمعاهد العليا، بل تجد أن عديداً من دكاكين إعداد البحوث والتحاليل الكمية والاحصائية تحيط بالجامعات إحاطة السوار بالمعصم، ويقصدها بعض الطلاب والطالبات لتعدّ البحوث التي يطلبها الأساتذة، وكذلك لا ينسى الطالب أن يدبج اسمه على صدر صفحة الغلاف.

بممارسات مثل هذه، يقع تلاميذنا وطلابنا في فخ إساءة استخدام المال لتحقيق إنجازات مستعارة، ويفوتهم أن الإنجازات لا تُعار بل تُكَدّ كداً. هناك اشكالات اخلاقية غير خافية منها الملكية الفكرية وحقوق المؤلف، فضلاً عن الجوانب المهارية؛ إذ القصد من تكليف المُدرس لتلامذته القيام بعمل لوحة أو إنجاز نشاط لاصفي هو اكتساب مهارة فردية أو جماعية، وفي حال أن التلميذ أو التلامذة قاموا «بشراء» خدمات شخص آخر للقيام بالمهمة فينفقوا المال ليخسروا فرصة اكتساب المهارة!

أذكر اني قابلت مرشحاً جامعياً لوظيفة، وأخبرني أنه عمل بحثاً تحليلياً عن ظاهرة اقتصادية، وعرض علي الاطلاع عليه، فرحبت بذلك، ووجدت الورقة تعج بالتحاليل الاحصائية واستنتاجات مبنية عليها، فقلت له: يبدو أنك متمكن في الاحصاء وبرنامج التحاليل الاحصائية (SPSS)، ردّ مستغرباً: ما هو (SPSS)؟!

سماحنا كمجتمع بانتشار ظاهرة عمل البحوث بالوكالة وشراء الملكية الفكرية وادعاء ملكيتها أمر فيه اشكالات متعددة، ولابد من منع هذه الممارسة قانونياً، ونشر الوعي حولها في المدارس والجامعات من خلال محاضرات ونشرات، وكذلك توعية الأهالي بأن «تمويلهم» يؤدي لفقدان ابنهم او بنتهم فرصة اكتساب مهارة أو قدرة. وبالتأكيد، فأمام المدارس والجامعات مهمة أساسية وهي محاربة هذه «الآفة» بأساليب تقليدية ومبتكرة؛ أما التقليدية فتقوم على المنع والملاحقة، أما المبتكرة فتقوم على توظيف التقنية للاطمئنان من ان التلميذ قام بالعمل بنفسه.

أقرّ ان المهمة صعبة خصوصاً ان هناك من لا يجد غضاضة في ممارستها، وفي ظل انتشار تلك «الدكاكين»، وفي ظل توافر مواقع لها عبر الانترنت وأن كامل «الصفقة» تتم عبر مبادلات الكترونية دون أن يقابل أي طرف الآخر وجهاً لوجه؛ يدفع المال بتحويل الكتروني، ويستلم البضاعة (البحث) الكترونياً. لعلنا بحاجة لإدخال مفاهيم في مناهج التعليم العام والعالي تحت مسمى «أخلاقيات البحث والملكية الفكرية وحقوق المؤلف» لتوعية أبنائنا بالخصوص والمجتمع عموماً.

لعل هذه من أهم نقاط التحول: كيف يكون كل منا منتجاً؟ أن تكون منتجاً ميزة تكتسبها اكتساباً، ونحن من نختار أن نزرعها في أبنائنا أو أن نعلمهم أنهم بالمال يستطيعون شراء أي شيء وكل شيء، حتى إنجازات «ينفخ» بها أحدنا سيرته الذاتية ويُفخم بها نفسه! ولن أنسى كيف كان أهالينا يعلموننا أولويات البيع والشراء بإرسالنا لشراء احتياجات ضرورية للمنزل، ثم أن نبيع أشياء بسيطة في الحارة، ليس لحاجة مادية، بل لتدريبنا على مهارة حياتية مهمة. وكانت الأمهات أحرص في تعلم أبنائهن تلك المهارات من الآباء، فهن من يفطمنهم عن الرضاع، وهن من يدخلنهم ميدان الحياة بتؤدة وحب.. فمن سيفطمنا عن النفط؟ ومن سيعلمنا كيف نكون منتجين معتمدين على الذات؟!

* وفقا لصحيفة " اليوم "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.