أسباب عدم التناسب بين انخفاض أسعار النفط في العالم وفي لبنان

ذكاء مخلص الخالدي
ذكاء مخلص الخالدي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

عندما بدأت أسعار النفط العالمية بالانخفاض في منتصف 2014، بدأ المستهلك في لبنان يلاحظ انخفاضاً في أسعار المنتجات النفطية، كالبنزين والمازوت والغاز. وبالتأكيد خفف هذا الانخفاض بعضاً من أعباء نفقات المعيشة عن كاهله. لكن اللبناني بدأ الآن يتساءل لماذا لم ينعكس الانخفاض على أسعار النفط داخلياً على أسعار بقية السلع والخدمات؟

معروف في النظرية الاقتصادية أن السعر وفق كلفة الإنتاج (أي قبل احتساب الضرائب والإعانات) يتكون من أرباح وأجور. لذلك يعتبر سعر الكلفة الوجه الآخر لتوزيع الدخل بين أصحاب رؤوس الأموال من جهة والعمال من جهة أخرى، قبل تدخل الدولة من خلال فرض الضرائب ومنح الإعانات. وعليه عندما ترتفع الأسعار يكون بسبب تحرك أحد المكونين أو كليهما إلى الأعلى، وعندما تنخفض يكون بسبب تحرك أحد المكونين، أو كليهما إلى الأسفل.

عندما بدأت الأسعار العالمية للنفط بالانخفاض، بسبب تخمة المعروض منه مقارنة بحجم الطلب، أثر الانخفاض سلباً وفي شكل مباشر في أرباح الشركات المنتجة للنفط وريع الدول النفطية. وإذا عاودت أسعار النفط ارتفاعها، سترتفع الأرباح في شكل مباشر وستصب في خزائن الشركات المنتجة وموازنات الدول النفطية. ويمكن تطبيق الشيء نفسه على السلع الأخرى لكن بنسب متفاوتة. فحركة الأرباح صعوداً ونزولاً تتميز في شكل عام بمرونة عالية مقارنة بحركة الأجور التي تتميز بالجمود لأنها تتحدد بعقود مسبقة وتحكمها قوانين يصعب تغييرها بسرعة. وانخفاض أسعار النفط مثلاً، لم يؤثر في أجور العاملين في قطاع النفط وإنما أثر في الأرباح لأنها أكثر قدرة على استيعاب صدمات التغير في السعر.

وبالعودة إلى أسعار السلع في لبنان، يلاحظ المستهلك انخفاضاً في أسعار بعضها، ربما ليس بسبب الانخفاض في أسعار النفط، وإنما لأن العديد من السلع، خصوصاً الغذائية، انخفضت أسعارها عالمياً. وانخفضت أسعار بعض السلع الصناعية بسبب المنافسة القوية بين الشركات المنتجة على تسويق سلعها في جو يشهد الطلب فيه انخفاضاً في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي. أما عن تأثير انخفاض أسعار المنتجات النفطية في أسعار السلع المحلية، فلا الاستنتاج في شكل جازم بأنها تأثرت أو لم تتأثر في ظل غياب دراسات أكاديمية ورسمية يمكن التعويل عليها تقيس بصورة كمية (رقمية) نسبة مساهمة النفط والمنتجات النفطية في الكلفة الكلية للسلع المنتجة.

لا شك في أن أسعار السلع والخدمات التي يدخل النفط فيها مكوناً رئيسياً، كالنقل، كان يُتوقع أن تنخفض بتأثير انخفاض أسعار المنتجات النفطية محلياً، لكن الأسعار لم تنخفض لأن مالك المركبة لا يزال يرى أن أجور العاملين لديه لم تنخفض، ولم تنخفض أجور صيانة المركبات وأسعار السلع والخدمات التي تتكون منها سلة إنفاقه، كأجور المدارس والطبابة والكهرباء وأجور المهن الحرة الأخرى التي تكون الثقل الأكبر في تكاليف المعيشة في لبنان.

إذن، لا يعتمد الأمر فقط على منتج سلعة صناعية أو مجموعة من السلع، وإنما سلسلة من أسعار السلع والخدمات التي يرتبط بعضها بالبعض الآخر. وقد يعتبر المنتجون للسلع والخدمات التي تدخل المنتجات النفطية في تكوينها أن انخفاض أسعارها ربما لا يكون مستداماً وأنه سيعاود الارتفاع مرة أخرى، لذلك يعتبر الانخفاض في الكلفة حالياً نوعاً من الكسب للمنتج أو ما يعبر عنه في نظرية الاستهلاك بـ "ما تلقيه الريح".

قد يتساءل البعض لماذا ترتفع أسعار السلع عندما يرتفع النفط ولا تنخفض عندما ينخفض؟ والإجابة على ذلك أن ارتفاع أسعار النفط يرفع كلفة الإنتاج. والمنتج عادة لا يستوعب ارتفاع الكلفة إلا في حالة ضعف الطلب. أما إذا لم يكن الأخير ضعيفاً، فهو يرفع سعر سلعته بارتفاع الكلفة، هذا بالإضافة إلى مجموعة من العوامل المترابطة الأخرى، أي أنه لا يتوقع أن يخفض السعر وحده، وإنما يشمل الانخفاض أسعار المساهمين كافة في عملية إنتاج السلع والخدمات.

ويعطي الضعف أو الغياب للدور الرقابي والإشرافي للمؤسسات والوزارات المعنية، كوزارة الاقتصاد ومؤسسة حماية المستهلك، المنتج مساحة أكبر للتصرف حسب ما يحقق مصلحته. لكن الأمر يختلف في حال وجود دراسات فنية يمكن التعويل عليها وتكون الدولة قادرة، في ضوء نتائجها، على مراقبة حركة أسعار السلع، فتصدر تعليماتها إلى المنتجين بتخفيض السعر في حال استمر انخفاض أسعار المدخلات لفترة طويلة وهذا ما يحدث عادة في الدول المتقدمة.

لا بد هنا من إضافة صعوبة مقارنة الرقم القياسي للأسعار في الداخل مع مثيله في الدول المصدرة إلينا، لأن طريقة الاحتساب وعدد السلع والخدمات المشمولة وحجم العينات التي يجري احتساب السعر عليها تختلف كثيراً بين الدول، وخصوصاً بين الدول المتقدمة والدول النامية.

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.