.
.
.
.

اقتصاد إيران أمام تردد مؤسسات الغرب

محمد كركوتي

نشر في: آخر تحديث:

"مهنة المحامين في إيران خطيرة"

شيرين عبادي - محامية إيرانية وقاضية في مجال حقوق الإنسان

مثل الجراد في عز هجماته، تتنافس الشركات الغربية في العودة إلى الساحة الإيرانية. وهذا أمر طبيعي تقوم به الشركات في كل مكان عندما تجد فرصة ما في مكان ما. ولكن الذي ليس طبيعيا أن تتدافع الحكومات الغربية (ولا سيما الأوروبية) للحصول على حصة في "الغنيمة" الإيرانية. ليس مهما المواقف الصلبة ضد إيران خلال المفاوضات النووية، ولا التشكيك الدائم في نيات طهران، ولا سيما أن هذه الأخيرة تعرف تماما ممارسة رذيلة التقية. إنها جزء من إيمانها واستراتيجيتها. فرنسا (على سبيل المثال) رمت في صندوق القمامة مواقفها الصلبة وتشكيكها الدائم حيال إيران. ماذا فعلت؟ أبرمت عقودا بـ 17 مليار يورو خلال زيارة رئيس إيران حسن روحاني لباريس! كان هذا في حد ذاته دافعا لكل الشركات في فرنسا والغرب لرفع وتيرة القتال على الحصة الاستثمارية الإيرانية. فلا عتب على الشركات، إذا كانت الحكومات مندفعة بصورة دنيئة بهذا الاتجاه.

غير أن الأمر ليس سهلا، حتى في ظل رغبة فرحة لدى إيران، واندفاع قوي من الجانب الآخر تجاهها. هناك حقائق "تفرمل" على الأقل في الوقت الراهن هذا الاندفاع، لا تخضع لتملق الغرب ولا لفرحة نظام الملالي. إنها في الواقع معايير السوق، ووضعية الاقتصاد الإيراني الهش نفسه. فضلا عن عدم وضوح الرؤية بما يكفي حيال الموقف الأمريكي نفسه من مسألة التعامل المستقبلي مع إيران على الساحة الاقتصادية. فإدارة الرئيس باراك أوباما التي تعتبر أنها حققت بالاتفاق الإيراني ضربة تاريخية تماثل آثار سقوط الاتحاد السوفياتي، مترددة في الانفتاح السريع، دون أن ننسى، أن المؤسسات التشريعية الأمريكية (ولا سيما الكونجرس) تقوم حاليا بتحركات لسحب صلاحيات أوباما تكفل له رفعا شاملا للعقوبات على إيران. فهذا الرئيس محل شك دائم على الساحة الأمريكية حيال إيران وقضايا أخرى عديدة على الساحة العالمية.

ولهذا السبب، تتردد مصارف أوروبية كبرى ومتوسطة في خوض غمار التعامل مع إيران، ليس كرها فيها، بل خوفا من ملاحقات قضائية أمريكية، ولاسيما أنها لا تزال في خضم هذه الملاحقات التي أسفرت عن مجموعة من الغرامات وصلت إلى عشرات المليارات من الدولارات. والسبب أن هذه المصارف تعاملت مع إيران في عز العقوبات، وكذلك الأمر مع مجموعة من البلدان المارقة والعصابات الإرهابية المعروفة، وفي مقدمتها حزب الله الإيراني في لبنان. فعلى سبيل المثال، إن التفسيرات الأمريكية والفرنسية للتعاطي الاقتصادي مع إيران غير متجانسة، الأمر الذي يزيد من خوف المصارف الأوروبية لخوض غمار التعامل مع هذا البلد. في حين لا تزال الغرامات التي فرضت وتلك التي ستفرض تخيف المصرفيين في كل مكان، بمن فيهم الأمريكيون. ببساطة، الأمور لا تزال غير واضحة، وهو أمر خطير على صعيد التعامل المصرفي.

ليس مهما ما أعلنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (الذي يتسيد الساحة العالمية برغبة واضحة من الإدارة الأمريكية) من أنه أمر الحكومة بتمويل مشاريع في إيران. فهو يعرف أن بلاده لا تملك المال اللازم لأي تمويل كان بما في ذلك التمويلات المحلية، كما أن اقتصاد بلاده ليس مستقر النمو بل ينكمش كل عام، في حين تشير التقديرات الروسية المستقلة إلى أن خسائر موسكو في السنوات الثلاث المقبلة قد تصل إلى 600 مليار دولار، نتيجة الانهيار التاريخي لأسعار النفط في الأسواق العالمية. كل ما يصدر عن بوتين وحكومته في هذا الصدد، ليس أكثر من حملات إعلامية فارغة المعنى والمضمون. فالاقتصاد الروسي، حتى بمعزل عن أي عقوبات، ليس مؤهلا للقيام بمثل هذه الخطوات، ولن يكون على الأقل في العقدين المقبلين.

وحتى في مجال القطاع النفطي هناك مشاكل كثيرة تواجه إيران، ليس فقط على صعيد تردي البنية التحتية لهذا القطاع، لعدم ضخ أي استثمارات فيه منذ سنوات طويلة، بل أيضا، لأن رفع معدلات تصدير النفط، ستزيد من تخمة المعروض الأمر الذي سيؤثر بصورة سلبية أقسى في الأسعار التي ستنال من إيران نفسها. وهناك أيضا مشاكل التأمين الكبرى. فكثير من شركات التأمين أيضا مترددة في إصدار بوالصها في هذا القطاع، لأسباب مرتبطة بمخاوف المصارف الغربية نفسها، وأيضا لأن السوق الإيرانية غير واضحة. أقصى ما ستقوم به هذه الشركات، أن تشغل شركات تأمين إيرانية كي تتحمل هذه الأخيرة كل المخاطر. وهذا أيضا أمر ليس مضمونا لكلا الجانبين.

لم تثمر حتى الآن السياسة التفضيلية التي أعلنتها إيران بخصوص الشركات الأوروبية على وجه الخصوص. في حين أن نظام علي خامنئي يواجه أزمات اقتصادية محلية خطيرة، من بينها ارتفاع التضخم ومعدلات البطالة، وتردي التعليم، وافتقار الساحة للمواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات السوق. دون أن ننسى الاهتزاز المتواصل للريال الإيراني الهش، الذي ينذر بكارثة دائما. ليس هناك مفر أمام إيران إلا بالاعتماد في هذه المرحلة على المستثمرين المحليين. فتردد المؤسسات الغربية المصرفية وغيرها، والتمويل "الصوتي" الروسي، وتمويل حرب احتلال سورية. كلها حقائق لا تنزوي بالتمنيات.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.