.
.
.
.

مَن وقع في الفخ: نفطنا أم النفط الصخري؟!

إحسان بوحليقة

نشر في: آخر تحديث:

قبل نحو عامين بدأت منطقتنا تهتم اهتماما جادا بمتابعة كيف أخذ انتاج الولايات المتحدة الأمريكية من النفط الصخري يبزغ ويتصاعد. وكنت كالكثيرين أظن أن تجارة النفط التقليدية في مأمن للمدى المتوسط أي للعام 2020، لكن الأحداث أثبتت أن تسارع ارتفاع النفط الصخري كان صاعقا. وحتى بعد أن أثبت النفط الصخري جدارته كمنافس، أخذنا نقول إنه مرتفع التكلفة وأنه سرعان ما يخرج من السوق في حال انخفاض الأسعار، لكن النفط الصخري أثبت قدرته على الصمود، وأنه لم يخرج، وأنه هنا ليبقى، وأن الولايات المتحدة أصبحت بفضل النفط الصخري دولة مصدرة للنفط!

ماذا بعد ذلك؟ يبدو أن القادم الجديد هو الصين، التي تمتلك مكامن للنفط الصخري تنتشر على مساحة تعادل مساحة تكساس الأمريكية الشاسعة. وفيما يتعلق بالنفط الصخري الأمريكي، فقد اتضحت توجهات الحكومة هناك بالسماح بتصديره، وهذا يغير ديناميكية السوق، ليس بسبب الكميات بل بسبب أن التنافس بين المصدرين التقليديين أصبح عليه أن يسقط أمريكا الشمالية من حساباته تماماً. أما الصين، فستظهر نتائج المعارك الخفية بين الحكومة وشركات النفط وشركات الخدمات النفطية العالمية فيما يتعلق بالتقنيات المتقدمة، وستتضح كذلك جدية الصين –وهي جادة ولكن لأي مدى واندفاع- لتجهيز بنية تحتية للاستفادة من مخزونها من النفط الصخري. كل ذلك سيتحدد أو على الأقل ستتضح توجهاته خلال عقد من الآن، وبالتالي سيتضح تأثيره على سوق النفط العالمية من جانبين: (1) تجارته العالمية بما ستسمح الولايات المتحدة بتصديره، (2) ما ستنتجه الصين بما يغنيها عن الاستيراد من نفطنا ونفط سوانا، كلياً أو جزئياً، رغم أنه ليس متوقعاً ان تستغني الصين عن استيراد النفط ما دام ذلك ممكناً، وأن تبقي احتياطاتها تحوطاً للمستقبل.

وبافتراض أن عام 2020 هو عام فاصل بين مرحلتين؛ ما قبل النفط الصخري وما بعده، فماذا عسانا فاعلون؟ قبل نحو عامين اقترحت في هذا الحيز مبادرة عبارة عن برنامج من ثلاث خطوات. الخطوة الأولى: الاقرار بوجود القادم الجديد، وبأن ستكون له –مع الوقت- حصة من السوق العالمية، سيتعاظم تأثيرها مع الوقت نتيجة لكثافة الكميات المتاحة في «المكامن الضيقة» وسماكتها وخصوصاً في الولايات المتحدة. الخطوة الثانية: أن نعيد تحديث خططنا التنموية وخصوصاً ما يتصل بالتنويع الاقتصادي، وأن نباشر تطبيق منظورنا «المحدث» بدءًا من الخطة الخمسية العاشرة. والخطوة الثالثة، وهي الأهم، أن ننفذ تلك الخطة (العاشرة وما بعدها) لتنويع مصادر اقتصادنا بخطوات متسارعة. ويمكن الزعم أن ليس في تنفيذ الخطوات الثلاث ما يمكن اعتباره إعلاناً للحرب على النفط الصخري، لكنها خطوات للتعامل بواقعية مع المتغيرات الحقيقية. ومع الاقرار بأن النفط التقليدي سيبقى متصدراً، لكنه لن يكون متفرداً، ثم إن المؤشرات تقول إن أهم منتجي النفط الصخري سيكون الولايات المتحدة والصين، وأن اتجاه الأخيرة لاستغلال احتياطاتها من النفط الصخري هو الذي سيكون مؤثراً، باعتبار أن جل النفط السعودي يذهب إلى آسيا، والصين في المقدمة.

ويمكن النظر للأمر من جانبين محلي وخارجي؛ أما محلياً، فسيأخذنا تطبيق الخطوات الثلاث للتحضير لعصر ما بعد النفط، إذ بوسعنا وضع تصورات قابلة للتطبيق لما سيكون عليه الوضع أو كيف نريده أن يكون ونسعى لتحقيق رؤيتنا بالعمل الدؤوب. ولعل اعلان الخطة الخمسية العاشرة، والاعلان المرتقب لبرنامج التحول الوطني خطوتين في سبيل تحقيق التنويع الاقتصادي ومن ثم تخفيف الاعتماد على النفط كمصدر ليس فقط للنمو الاقتصادي بل كذلك لتمويل الخزانة العامة، إذ يبدو أن لذلك، أي تنمية الإيرادات غير النفطية، وخارجياً، أولوية عالية ضمن برنامج التحول الوطني.

إذاً، فعلينا التعامل –وليس التأمل والتفكر المتجردين- مع ثلاث نقاط: (1) أن الاكتشافات الهائلة من الزيت الصخري سترى طريقها –عاجلاً ام أجلاً- للسوق العالمية وبكميات متصاعدة، ومما سيجعل السوق أكثر تنافسية، وسيشكل ذلك عامل ضغط على النفط التقليدي، ليقتسم معه السوق، ولن يكون منتجو النفط التقليدي بعد الآن المشجب «الوحيد» الذي عليه الحفاظ على الامدادات النفطية حفاظاً على استقرار الاقتصاد العالمي! و(2) أن تخفض عن كاهل المستهلك النهائي في الولايات المتحدة وسواها من الدول ما يتحمله من ضرائب تضاف لأسعار مشتقات النفط، لم نجن منها هنا إلا أن نُلام عن كل سنت يدفعه المستهلك النهائي لتعبئة خزان سيارته، (3) أن يبحث الصقور في الكونجرس الأمريكي من المناكفين لأوبك عن «شماعة» أخرى عدا أوبك كمسبب للمتاعب الاقتصادية.

وفي المحصلة، فقد تتاح لنا فرصة أكبر لتوليد القيمة من نفطنا عوضا عن تصديره خاماً، وهنا تبرز أهمية ما اتخذته وتتخذه أرامكو السعودية من خطوات لزيادة انتاج المملكة من المشتقات ومن البتروكيماويات المتقدمة عالية القيمة. وهنا كذلك تبرز أهمية جهود برنامج التحول الوطني في التحول من الريع للإنتاج، أي من بيع الموارد الطبيعية (وفي مقدمتها النفط) خاماً إلى تحويلها إلى مشتقات، وتصنيع تلك المشتقات بما يعود على اقتصادنا الوطني بفرص عمل لشبابنا، وفرص أعمال للمستثمرين من السعوديين والأجانب، بما يساهم في زيادة الضخ الاستثماري ونمو الناتج المحلي الإجمالي. إذاً، أهلاً بالنفط الصخري الذي سيكون عليه عبء أن يتدفق ليعيش، فيما كان دائماً على نفطنا أن يتدفق لنعيش!

* نقلا عن صحيفة " اليوم "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.