حوكمة المنظمات الوقفية

عبدالله محسن النمري
عبدالله محسن النمري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

إن ما شهده العالم من أزمات اقتصادية، و انهيارات مالية طالت عددًا من كبريات الشركات في مختلف دول العالم ، و ما تبع ذلك من ضياع أموال المساهمين فيها، و تسريح موظفيها، و تداعيات كل ذلك سلبا على اقتصاديات الدول التي تعمل فيها تلكم الشركات، كل ذلك ساهم في نشوء مفهوم حوكمة الشركات ، المعني بإيجاد و تنظيم التطبيقات و الممارسات السليمة للقائمين على إدارة المنظمة بما يحافظ على حقوق العاملين فيها، و حملة السندات، و المساهمين ، و باقي أصحاب المصالح ، بالارتكاز على أربع دعائم أساسية هي : الشفافية ، و العدالة ، و النزاهة ، و المساءلة.
ثبت بالاستقراء و التطبيق ، أن تبني منظمات القطاعين العام و الخاص و مؤسسات المجتمع المدني – كل بما يناسبها – لمفهوم الحوكمة ، و تطبيقاتها و آلياتها ، هو الإجراء العملي الأمثل الذي يضمن تحجيم الفساد و حماية النزاهة في أي منظمة، كما أشارت الدراسات على أن مفهوم الحوكمة و آلياتها لم يكن يوما إجراءا تحسينيا تلجأ له المنظمات بل ضروريا يضمن به استدامة المنظمة ، و تشغيلها بكفاءة تحقق الأهداف الانية و المرحليه التي رسمت لها.

ساهمت المؤسسات غير الربحية و مؤسسات المجتمع المدني في تشكيل مفهوم الحوكمة في بداياته في الدول الغربية أواخر القرن الماضي، و استهدفت بتلك المساهمة حفظ موارد المنظمات المالية، و ضمان فاعلية إدارية و كفاءة تشغيلية مستدامة لتلكم المنظمات، و هو أمر يتسق مع الغاية من الوقف و مفهومه القائم على استدامة الأعيان الموقوفة و جريان منافعها على المستفيدين منها بحسب شرط الواقف. و في الوقت الذي تفصل فيه حوكمة الشركات بين الإدارة و الملكية ، فتخرج الإدارة فقط من سيطرة الملاك ، فإن حوكمة المنظمات الوقفية تقوم على المفهوم الشرعي للوقف الذي تخرج به الأعيان الموقوفة من ملكية الواقف و كذلك النظارة عليها – إن إرتأى الواقف ذلك في حياته- و هو أمر يستلزم تطبيق معايير قد تزيد في تفصيلاتها و دقتها عن معايير حوكمة الشركات المعهودة.
و في ظل ما يشهده قطاع الأوقاف في المملكة العربية السعودية من إعادة تنظيم تهدف إلى تعزيز دور الأوقاف في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية وفقا لمقاصد الشريعة، و ما أعلنت عنه وزارة التجارة و الصناعة من أنها تعكف على دراسة نظامي الشركات الوقفية و غير الربحية، أرى ضرورة المبادرة بمشروع تكميلي ، مستقل أو جزئي ، لعمل لائحة استرشادية لحوكمة المنظمات الوقفية تضمن تبنيها و تطبيقها للحد الأدنى الضروري من مبادئ و آليات الحوكمة التي يتحقق بها شرط الواقف ، و تحفظ بها حقوق الموقوف عليهم، و يضمن بها تحقيق قدر أعلى من الشفافية و العدالة، و تساهم – بالفعل – في الحد من الفساد الإداري و المالي الناتج عن استغلال السلطة، و تعارض المصالح. كما ينبغي أن تكون اللائحة المقترحة شاملة لميثاق عام لمجلس النظار و اللجان الأخرى المنبثقة عنه، و موضحة للحد الأدنى لمكونات التقرير السنوي الواجب الالتزام به و متطلبات الافصاح و الشفافية ، و محددة للوصف الوظيفي لناظر الوقف و مهامه و أجرته بحسب المقتضى الفقهي و القانوني.

أرى أن فرض الهيئة العامة للأوقاف لللائحة الاسترشادية – المقترحة- على المنظمات الوقفية أدعى لتبنيها و تحقيق الهدف المنشود من إقتراحها، و ذلك بجعلها متطلبا للموافقة على إنشاء أي وقف جديد ، و إمهال المنظمات الوقفية القائمة فترة لاعتمادها، وذلك بحسب المادة الرابعة من نظام الهيئة العامة للأوقاف الذي يخولها الإشراف على الأوقاف العامة و الخاصة و المشتركة، و أيضا بحسب المادة الخامسة التي نصت على تولي الهيئة مهمة الموافقة على طلبات إنشاء الأوقاف الجديدة.

* نقلا عن صحيفة "مال الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.