.
.
.
.

مفاوضات طويلة وشاقة بعد اتفاق الدوحة النفطي

وليد خدوري

نشر في: آخر تحديث:

هدأت أسعار النفط نسبياً بعد اتفاق الدوحة في 17 من الشهر الجاري، وتراوح معدلها خلال الأسبوعين الماضيين حول 33 - 34 دولاراً للبرميل. وأدى اتفاق دول «أوبك» الثلاث، السعودية وقطر (الرئيس الدوري الحالي للمنظمة) وفنزويلا (المبادرة بحملة التوافق ما بين المُصدرين)، وروسيا، الدولة غير العضو في المنظمة، الى إطلاق الخطوة الأولى من المفاوضات بين «أوبك» ومنتجين غير أعضاء، وتجميد الإنتاج على مستواه في كانون الثاني (يناير)، والتوصل الى تفاهم جيواستراتيجي ما بين المنتجين الكبيرين، السعودية وروسيا.

بلغ المخزون التجاري النفطي العالمي مستوى قياسياً يزيد عن 500 مليون برميل، وسيبقى ضاغطاً على الأسعار. لذا، فإن اتفاق الدوحة هو خطوة أولى للتسوية. وعلى ضوئه، والى حين الحصول على اتفاق نهائي ذي صدقية، سترتفع الأسعار قليلاً وتدريجاً، لكن مهددة دائماً بالتدهور.

ويتوقع أن تؤدي مرحلة المفاوضات الى تذبذبات يومية حادة في الأسعار، نظراً الى استمرارية مستوى المخزون القياسي، والتقارير الأسبوعية حول معدلاته. كما أن التصريحات والتسريبات الإعلامية حول المفاوضات والخلافات بين المصدّرين ستزيد المضاربات اليومية.

تشمل الخلافات أموراً عدة. فهل يجب خفض الإنتاج، أم تجميده؟ وإذا تم الاتفاق على التجميد، فما هو معدل التجميد لكل دولة، وفق إنتاج كانون الثاني، وما هي صدقية هذه الأرقام؟ فهناك عادةً، من يشكّك فيها. كما ما هي فترة تجميد الإنتاج؟ وهل ستوافق الدول التي خططت مسبقاً لزيادة إنتاجها على التجميد، أم أنها ستنتج بكامل طاقتها الإنتاجية في المستقبل القريب، على رغم الاتفاق؟ ويشمل الأخير ثلاث دول أعضاء من «أوبك» فقط، على رغم أن التوقعات تدلّ على احتمال انضمام 10 دول أعضاء قريباً.

لكن، على رغم محدودية نتائج اتفاق الدوحة حتى الآن، فهو يشكل انطلاقة جديدة للمصدّرين لأنه خرق حوار الطرشان وفتح مجالاً جديداً للمفاوضات، كان مغلقاً لأكثر من سنة ونصف سنة، وفي ظل تدهور سعري، حيث اضطرت دول مصدرة لبيع نفطها أخيراً بحسومات عالية، إذ بلغ السعر الفعلي لبعض نفوط دول الخليج في الأسواق الأوروبية نحو 20 دولاراً للبرميل.

انعقد بعد يومين من اجتماع الدوحة، اجتماع في طهران حضره وزراء نفط قطر وفنزويلا وإيران والعراق. ولم يصدر بيان رسمي عن نتائجه، لكن أبدى الوزيران الإيراني والعراقي ترحيبهما المبدئي باتفاق الدوحة من دون إعلان تأييدهما له. فقد صرّح الوزير الإيراني بيجان زنغانة، لوكالة أنباء وزارة النفط الإيرانية «شانا»، بأن اتفاق الدوحة «بداية جيدة... وأن القرار الذي تبنته أقطار من «أوبك» وأقطار أخرى من خارج المنظمة لتجميد الإنتاج لأجل استقرار الأسواق وتحسين الأسعار، يخدم مصالح المستهلكين والمنتجين ونحن نؤيده». لكن عدم صدور بيان ختامي للاجتماع يختلف عن تصريح وزير، ما يشير عادة الى وجود خلافات عميقة. وبالفعل، تخلى زنغانة خلال الأسبوع الماضي، عن ترحيبه بالاتفاق. فإيران ماضية، بعد رفع العقوبات، في زيادة إنتاجها من النفط الخام هذه السنة بنحو 500 ألف برميل يومياً، إضافة الى نحو 500 ألف برميل من المكثفات (نفط خفيف عالي الجودة مصاحب لإنتاج الغاز). وتتعامل «أوبك» مع النفط الخام فقط، وتستثني من حصصها إنتاج السوائل البترولية الأخرى، فلا تؤخذ المكثفات في الاعتبار عند احتساب حصص الدول. وصرح وزير النفط العراقي عادل عبدالمهدي، بعد الاجتماع الذي دام ساعتين: «إن المحادثات ستستمر بين الأعضاء في أوبك والدول غير الأعضاء، من أجل تعزيز أسعار النفط». وأكد «أن على الدول المنتجة إيجاد الحلول للعودة بالأسعار الى مستوياتها الطبيعية، وأن التقارب بين أوبك والمنتجين من خارجها خطوة في الاتجاه الصحيح».

تم التوصّل الى اتفاق الدوحة بعد معدلات إنتاج بطاقة قصوى للسعودية وروسيا خلال كانون الثاني، تزيد عن 10 ملايين برميل يومياً لكل منهما. وتعكس موافقة السعودية على الاتفاق وجهة نظرها التقليدية، وهي أن الطلب العالمي في ازدياد على المديين المتوسط والبعيد، وأن أسعار النفط يجب أن تحدد من جانب الدول المنتجة ذات كلفة الإنتاج الأقل، لا ذات الكلفة العالية، والتي تفضّل أسعاراً عالية جداً لتحقيق الأرباح، بل قياسية تقلّص استهلاك النفط.

عبّر وزير البترول السعودي علي النعيمي، خلال الأسبوع الماضي، عن استراتيجيات السعودية النفطية، قائلاً: «الحقيقة هي أن الطلب على النفط كان ولا يزال قوياً، وكل ما يمكن إثارة الجدل حوله لا يعدو كونه مجرد نسبة ضئيلة صعوداً وهبوطاً... إذ إن معدلات الطلب العالمي تفوق 90 مليون برميل يومياً، وسترتفع على المدى البعيد. لذلك، ليست لدي أي مخاوف أو هواجس في شأن الطلب، ما يدفعني الى الترحيب بأي إمدادات إضافية جديدة، بما فيها النفط الصخري». وأضاف: «من شأن الأسواق التي تتّسم بالكفاءة، أن تحدّد أين سيستقر السعر الهامشي للبرميل على منحنى الكلفة. ومن ثم، فالضرورة تحتّم على منتجي البترول العالي الكلفة السعي الى إيجاد طريقة لخفض التكاليف» (...)

واجهت الاتفاقات السابقة لدول «أوبك»، أو ما بين المنظمة والأقطار غير الأعضاء، معضلة كبيرة، أبرزها المعايير التي يتوجب على أساسها اعتماد المؤشر لخفض الإنتاج. والتجربة الحالية لا تختلف مبدئياً عن سابقاتها. فاعتماد معدلات إنتاج كانون الثاني 2016، وتجميد الإنتاج المستقبلي على أساسه يعطي أفضلية لتلك الدول التي أنتجت بطاقتها القصوى خلال ذلك الشهر. لكن في الوقت ذاته، هناك مصالح الدول المخططة لزيادة إنتاجها هذه السنة لأسباب مختلفة.

سيضغط مستوى المخزون التجاري ليبقي سوق النفط مضطربة. ويذكر أن الاتفاقات السابقة تمّت بإبقاء حصص الإنتاج لبعض الدول مفتوحة موقتاً من دون تحديد. وهذا ممكن حالياً، على الأقل للعام الحالي. ففي نهاية الأمر، العبرة ليس في معدل الإنتاج بل في الأسعار الممكن تحقيقها.

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.