الإسكان بحاجة لحَلّ بسيط وفعال ومتكامل!

إحسان بوحليقة

نشر في: آخر تحديث:

سوق العقار السعودي يتغيّر هيكلياً، والخطوات الأهم حتى الآن نتجت عن إصدار أنظمة وقرارات تتعلق بصلب أنشطة القطاع العقاري. تقليدياً، العقار لدينا كان تحت يد تجار الأراضي. لكن تلك كانت مرحلة وسيطة، فقبلها كانت الأرض متاحة لمن يرغب البناء، كل ما عليه أن يذهب للبلدية ويشتري قطعة أرض. كان سعر المتر بريال وربما أقل، ما أذكره أننا عندما انتقلنا من منزل الوالد -رحمة الله عليه- في الرفعة (وسط الهفوف) إلى حي الملك فيصل، كانت الأراضي في تلك النواحي تشترى من البلدية، بمساحة في حدود 400 متر مربع للقطعة. في تلك الفترة، لم يكن النقص في الأرض بل في التمويل، فأنشئ صندوق التنمية العقارية. فكان المواطن يذهب للبلدية فيشتري أرضاً (المتر بريال) ثم يقدم طلباً لصندوق التنمية العقارية ليحصل على قرض لبناء مسكن. وكان سائداً أن يسكن المالك في الدور الأرضي، ويؤجر الشقتين العلويتين، وبذلك ليس فقط أنه لا يدفع إيجاراً، بل أصبح مالكاً يُحصل إيجاراً لشقتين، إيجار إحداهما يذهب لسداد قرض صندوق التنمية العقارية، والآخر يدخره المالك أو «يكشت» به!

كان الحل مثاليا، كونه بسيطا وفعالا ومتكاملا؛ فصيغته لا تعقيد فيها، «جب أرض وخذ قرض»، و «جياب» الأرض كان متيسراً وفي المتناول، وكذلك الحصول على قرض كان يُقرّ دون تأخير، ويدفع على دفعات تتماشى مع إنجاز البناء. وكان فعالاً، فقد قضى على نقص السكن في ذلك الوقت، والحاجة للتوسع الحضري، وكان متكاملاً باعتبار أنه حل المشكلة من جانبيها؛ فالحكومة عندئذ وضعت حلاً ناجعاً لنقص السكن وارتفاع الإيجارات، وفي المواطن أصبح مالكاً لمنزله دون تكلف.

منذ تلك الأيام حتى الآن انقضت أربعة عقود أو نحوها، تآكلت خلالها بساطة الحل وفاعليته وتكامله، فأصبح ذكرى جميلة نتحدث عنها، والسبب عدم مواكبة الحل للتطورات التي حدثت والتي ليس أقلها نمو السكان؛ فقد أخذ عدد الأسر يتنامى في حين أن الأراضي تشح فيرتفع سعرها وموارد الصندوق تقل وتضمحل.

الآن، يكابد المجتمع وصولاً لحل جديد، بعد أن دفعنا جميعاً ثمناً باهظاً نتيجة لتركنا للحل البسيط الفعال المتكامل يموت صَبراً! تركناه فأصبحت الأراضي ليست في متناول متوسط الدخل، وحتى إن تمكن بطريقة أو بأخرى من امتلاك أرض فالصندوق العقاري لن يقدم له قرضاً، بل سيقول له: تعال بعد عشر سنوات ونشوف! فتراكمت الطلبات فوق الطلبات وأصبحنا أمام ظاهرة تدني امتلاك السعوديين لمساكنهم!

نحن بحاجة إلى حل من شقين: الشق الأول، على الحل أن يتعامل مع الطلب (المُحبَط والمكبوت) المتراكم لسنوات (suppressed demand). وببساطة فـ «الطلب المكبوت» هو أشبه ما يكون بالحالة عندما تحبس الماء خَلفَ سَدّ ثم تطلقه. لحظة انطلاقه سيحدث أشبه ما يكون بالاندفاع، لكن ذلك لن يستمر طويلاً، بل ما يلبث أن يعود الماء لتدفقه المعتاد. وهكذا، فالشق الأول من الحل عليه أن يستوعب ويلبي «الطلب المكبوت»، من خلال توفير سِعَة كبيرة تتاح مباشرة وتوضع في متناول المواطن بما يمكنه من الحصول على سكن ببساطة وفاعلية وتكامل.

أما الشق الثاني، فهو إيجاد حل مستقر. ويبدأ العمل به بعد تلبية الطلب المتراكم، من خلال توفير سعة تلبي التنامي الطبيعي للطلب على السكن من قبل المواطنين الراغبين والمستحقين.

ما الذي حققناه حتى الآن مهم لكنه غير كاف، فقد صدرت أنظمة غاية في الأهمية لكن أثرها لم يتبين كاملاً حتى الآن؛ فما تأثير التمويل العقاري من خلال تفعيل آليات الرهن وتمويله؟ ما زال التمويل شحيحاً ومكلفاً، وما زالت الأرض ليست في المتناول. تذكروا أننا نتحدث عن حل «بسيط وفعال ومتكامل»، وما زالت سوقنا المالية خارج نشاط التمويل العقاري، وما زالت البنوك التجارية هي من يُمارس التمويل العقاري، وما زال نشاط التطوير العقاري لا يحظى بدعم لزيادة سعته على توفير المساكن، وما زلنا نتحدث عن المسكن الاقتصادي وأهمية زيادة المعروض من وحداته لكننا حتى كتابة هذه الأسطر –فيما أعلم- لم نوفر منها ما يحقق تقابلاً بين العرض والطلب.

هناك جهود حثيثة وجادة، لكن لا يبدو أنها ضمن إطارٍ محدد وسياقٍ واحد يؤديان إلى حلٍ بسيطٍ وفعالٍ ومتكامل يتعامل مع الطلب المكبوت ابتداء وبعدها مع وتيرة الطلب المستقر بعد ذلك. ولذا، تجدنا حالياً نتجادل عند كل منعطف يتصل بالإسكان؛ حول الأرض، وحول القرض، وحول الرهن، وحول التمويل، وحول الدفعة الأولى، وحول دور البنوك ودور السوق ودور المطورين العقاريين، بل وحتى حول القرض المُعجل وأن تكون قيمة القرض متغيرة تبعاً لحال المُقترض. لن يوقف هذا الجدل إلا حل بسيط وفعال ومتكامل. عطونا إياه، جعل أبوكم في الجنة.
*نقلاً عن صحيفة "اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.