لماذا نعمل؟

علي بن طلال الجهني
علي بن طلال الجهني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

طرح هذا السؤال بعفوية ورغبة شديدة في المعرفة، صبي لم يتجاوز الـ15 من العمر في السنة الثالثة من المرحلة الإعدادية. فقلت له بعبارة واحدة: نعمل لأن الأشياء التي نريد حيازتها تحتاج إلى عمل لإنتاجها أو لتحويلها بوسيلة من الوسائل إلى سلعة أو خدمة يرغب الناس في الحصول عليها. وهذه عبارة تحتاج إلى تفصيل.

فالحاجات المعيشية اليومية من مشرب ومأكل ومسكن، دع عنك التكاليف الأخرى التي أضحت شبه ضرورية من كهرباء وغاز ووقود ووسائل تواصل، لا تأتي جاهزة لا من السماء ولا من الأرض، وإنما لا بد من جهد لجعلها شيئاً يريد الناس استخدامه أو حيازته. ولبذل الجهد أو العمل ثمن، إذ إنه يتم على حساب الراحة أو عمل شيء آخر بما فيه الهوايات الشخصية. أي لا بد من مقابل. ولذلك نعمل للحصول على أجر، أو نحفر وندفن للحصول على دخل بطرق غير مباشرة، والمنتجُ هو أيضاً مستهلك. ولذلك لا بد من التبادل إما بين مجموعة في مجتمع واحد أو بين بلد وبلد آخر. فنحن في دول الخليج العربية نحصل على الرز من الهند ومن غيرها. وإنتاج الرز يحتاج إلى جهد بشري وربما استثمار في بذور وآلات. وكلها تحتاج إلى تعويض، ولذلك يحتاج منتج الرز أو باعته إلى ثمن. ونحن أيضاً نستورد الطائرات والسيارات وأجهزة الهاتف وكثيراً من مكونات غذائنا الأخرى، وكلها تحتاج إلى ثمن.

إن الطبيعة البشرية تملي علينا أن يحاول كل فرد سوي أن يظفر بكل ما يستطيع الظفر به من أشياء يرغب في الحصول عليها، سواء كانت مادية بحتة أم معنوية كالمكانة الاجتماعية أو الجاه أو السمعة الحسنة أو غيرها بأقل جهد ممكن. أو الراحة التامة بلا جهد، فلا حدود لما نود الحصول عليه. وفي الوقت ذاته قدرتنا على بذل الجهد أو العمل محدودة. فيصبح المرغوب فيه أكثر من المتوافر، بما في ذلك المرغوب فيه اجتماعياً. وكما قال المتنبي:

لولا المشقةُ سادَ الناسُ كلهمُ... الجودُ يفقرُ والإقدامُ قَتَّالُ.

ومعنى ما تقدم أنه لا بد من جهد أو مشقة، أي عمل. ولا بد من العمل حتى للحصول على وسائل المعيشة، دع عنك «السيادة».

وإجمالاً فالناس، في كل مكان، سواءً كان المجتمع يخضع لقوانين الأسواق الحرة، أم يخضع للقوانين الاشتراكية أم حتى لمجرد قوانين اجتماعية محلية بحتة، يتنافسون ليحصل كل فرد أو مجموعة على ما ترغب في الحصول عليه. ومهما كان المجتمع ثرياً يوفر دخولاً بحيث تكفي لحصول كل فرد على ضرورات المعيشة اليومية، فلم يسبق أن وصل مستوى الثروة في أي وقت إلى درجة منح كل فرد «كل» ما يرغب في الحصول عليه. والأرجح لن يحدث ذلك في المستقبل المنظور.

وهذا ما يسمى بـ «الندرة» النسبية لكل مرغوب فيه وكل مطلوب. أي أن المطلوب دوماً أكثر من المتوافر لكل فرد، مهما بلغ متوسط دخل الفرد من ارتفاع. وللأسف فتوفير المرغوب فيه لكل من يريده يحتاج إلى جهد أو عمل. والعمل ما هو إلا ثمن غير مباشر يؤديه البشر للحصول على أشياء أخرى يرغبون في استخدامها أو امتلاكها.

ثم طرح صاحبنا، الصبي الذكي، سؤالاً آخر، لا بد أنه طرأ على ذهن كل متعلم في يوم من الأيام، والسؤال كان: لماذا «لا» توزِع الحكومة على كل فرد ما يكفي من النقود ليشتري بها ما يود شراءه من دون شغل وتعب؟

فقلت له: لأن دراهم أو نقود الحكومة محدودة. فقال وكيف تكون محدودة والحكومة هي التي «تصدرها» أو حرفياً تطبعها؟

* نقلا عن صحيفة " الحياة "


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.