لماذا نعمل؟
جاء في المقالين اللذين تم نشرهما في هذا الحيز (22 و29 الشهر الماضي) أن مجرد توزيع النقود على كل فرد من أفراد المجتمع، من دون أي جهد لإنتاج سلعة أو خدمة، لا يرفع متوسط المعيشة ولا ينفع عامة الناس، بل إنه يضر. ويعود ذلك إلى أن إنتاج السلع والخدمات يحتاج إلى جهد، والناس لا يبذلون الجهد المستمر من دون مقابل، ومجرد منح النقود من دون مقابل، ليس بمثابة المقابل الذي يتم دفعه لإيجاد ما يرغب الناس في استهلاكه أو حيازته، وإنما مجرد زيادة التنافس على الموجود، وذلك بدوره يرفع الأسعار لا أقل ولا أكثر.
ومع أن القول إنّ الحكومات، أو تحديداً البنوك المركزية، قادرة وبسهولة على إصدار أو حرفياً طبع النقود قولٌ صحيح، فإن الأمر لا يتم عشوائياً، على الأقل بالنسبة إلى العملات الصعبة، والعملات الصعبة هي التي يمكن بيعها وشراؤها في الأسواق المالية العالمية، من دون تدخل السلطات التي أصدرتها.
ومن أجل الإيضاح، يمكن القول إن أسواق الحصول على القروض، أو ما يسمى أسواق الائتمان، تشبه بدرجة من الدرجات أسواق الإيجار العقارية، فلا المقترض حقيقةً يملك ما اقترض ولا المستأجر بالطبع يملك العقار الذي يستخدمه، وما الاقتراض إلا استئجار موقت ومحدد بفترة زمنية معينة للنقود، ولا يتم لا استئجار النقود ولا استئجار العقار من دون مقابل، وإذا زاد المعروض من العقار للإيجار تدنت مستويات الإيجارات أو السعر الذي يدفعه المستأجر في مقابل ما يستخدمه من عقار.
والأمر نفسه بالنسبة إلى زيادة المعروض من النقد الذي يؤدي إلى انخفاض قيمة النقد ليس نسبةً إلى العملات الأخرى فحسب، وإنما أيضاً بالنسبة لمن بحوزتهم النقد كالمصارف، فتتدنى أسعار استئجار النقد بسبب تكاثر وتنافس المستعدين لإقراضه، الذي يجعل المعروض من النقد، من زاوية أخرى، يختلف عن المعروض للإيجار من العقار. إن قيمة العقار مهما زاد المعروض منه لا تهبط بدرجة وسرعة هبوط قيمة النقد (إلا في حالات نادرة كارتفاع الجريمة أو انعدام الأمن في منطقة العقار). وبعبارة أخرى، إذا زاد المعروض من النقد فوق المستوى الذي تبرره الزيادة في الإنتاج الكلي من كل ما هو مطلوب من السلع والخدمات، ارتفعت الأسعار، أو قلّت قيمة العملة.
إن زيادة ما لدى فرد، أو شركة، أو حتى قطاع اقتصادي كامل، من نقد، من الواضح أنه مفيد لمن يحوزه خصوصاً، أما زيادة مجموع ما يتم تداوله من نقد أو ما يسمى «كتلة النقد» فأمر يمكن تيسير معناه بالقول إنه إذا تم تنفيذه في مقابل زيادة في الإنتاج الكلي من السلع والخدمات فهو أمر مرغوب وبمثابة زيت الماكينة الاقتصادية. ومن ناحية أخرى، إذا لم تقابله زيادة إنتاج، فالذي يؤدي إليه هو زيادة الأسعار، وانهيار قيمة العملة، كما هو عليه حال الريال الإيراني والليرة السورية.
ومن الأساطير التي يختلقها أساتذة الاقتصاد للمبتدئين، أن ملكاً يونانياً أو صينياً أو هندياً (ولا أهمية للجنسية) أو من جنسيات أخرى، كان يتمنى تحويل كل ما يلمسه من حجر إلى ذهب، فتحققت أمنيته وصار كل فرد من مواطني مملكته يملك أكواماً من الذهب، وسرعان ما وجد الجميع بأن الذهب تدريجياً أصبح لا قيمة له، لأن الذين يبيعون الأغذية أو المستعدين لأداء أي خدمة رفضوا قبول الذهب، فالحصول على الذهب لم يعد يتطلب جهداً، أما الحصول على الطعام فيحتاج إلى جهد من يزرع، وجهد من يحصد أو يجمع، وجهد من يعد، أو جهد من يصيد، وهلمّ جرّا.
وخلاصة الموضوع من حقائق الحياة الثابتة، أنه يتعذر الحصول على شيء مفيد من دون مقابل، فالأشياء المرغوب فيها دوماً وأبداً أكثر من المتوافر، لا حدود للرغبات، ولكن المتوافر محدود، والذي يحدد المتوافر هو محدودية القدرة على زيادة إنتاج كل مرغوب أو ارتفاع التكاليف، وما النقود إلا أداة قياس، وهي أداة قياس نافعة ما دامت ثابتة أو متغيرة بنسبة محدودة معروفة وفقاً لزيادة ما يراد قياسه. وبالنسبة إلى المجتمع ككل، فالنقود تقيس الثروة الفردية، أو تقيس حتى قيمة الإنتاج الكلي، غير أن النقود بحد ذاتها إن لم تكن لها قيمة، لا تغني، ولا تطعم من جاع، ولا تروي من عطش.
*نقلاً عن صحيفة "الحياة"