.
.
.
.

تحسن أسعار النفط

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:

تسبب السحب من احتياطيات النفط الخام الأمريكية ـــ بنحو خمسة ملايين برميل الأسبوع الماضي ـــ في زيادة الطلب على النفط وأسعاره بأكثر من خمسة دولارات للبرميل. وتشير التعاملات المالية في الأسواق النفطية إلى اتجاه أسعار النفط للاستقرار فوق مستويات 40 دولارا لبرميل خام برنت، وهذا من مبشرات انتهاء عاصفة هبوط الأسعار الأخير. ويتوقع كثير من المختصين النفطيين أن تواصل أسعار النفط تحسنها الملحوظ فيما تبقى من عام 2016. ولم تأت هذه التوقعات من فراغ بل تدعمها التطورات الأخيرة في الأسواق النفطية العالمية.

بدأ تأثير تراجع الاستثمارات النفطية القوي خلال العامين الماضيين في الظهور على المنتجين العالميين، حيث تدنى عدد الحفارات عالميا، وتراجع الإنتاج النفطي من خارج دول «أوبك». وانخفضت الاستثمارات النفطية في الولايات المتحدة وحدها بنحو 100 مليار دولار خلال العام الماضي، ما خفض إنتاجها النفطي خلال العام الحالي. وتعتبر الولايات المتحدة أهم لاعب خارج الدول المصدرة للنفط، بل المتسبب الأول في التخمة النفطية العالمية الحالية. وقد أدى التزايد القوي في الإنتاج النفطي الأمريكي إلى زيادة المعروض العالمي النفطي بأكثر من أربعة ملايين برميل خلال الأعوام الخمسة الماضية. أما حاليا فقد تراجع إنتاج الولايات المتحدة إلى نحو تسعة ملايين برميل يوميا منخفضا من مستوياته القياسية في بداية 2015 التي وصلت إلى نحو 9.6 مليون برميل يوميا. وشهدت الحقول النفطية الأمريكية تراجعا قويا في عدد الحفارات خلال السنة الماضية وبداية العام الحالي وتدنى عددها إلى أقل مستوى منذ تسعينيات القرن الماضي، ما أثر وسيؤثر في إنتاج الولايات المتحدة النفطي خلال العام الحالي والمستقبل القريب. ويعاني كثير من منتجي النفط الأمريكيين خصوصا الشركات الصغيرة المتخصصة في إنتاج النفط الصخري خسائر مالية، ما سيجبر كثيرا منهم على الحد من عملياتهم أو تصفية شركاتهم، وهذا سيقلل من إنتاج النفط الصخري الأمريكي. من جهة أخرى، من المتوقع أن ترتفع معدلات الفائدة الأمريكية، ما سيزيد من رداءة الملاءة المالية لكثير من المنتجين ويرفع خسائر ائتمان القطاع النفطي. وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تراجع إنتاج الولايات المتحدة إلى معدل 8.7 مليون برميل يوميا في 2016، وهذا يعني هبوط إنتاج الولايات المتحدة بنحو نصف مليون برميل يوميا عند نهاية العام. وإذا ما أضيف هذا التراجع إلى نمو الطلب العالمي السنوي المقدر بنحو 1.5 مليون برميل في الربع الأخير من عام 2016، فسيتحقق توازن بين الإنتاج والاستهلاك العالمي عند نهاية العام.

ومن أبرز العوامل التي ستسهم في دعم أسعار النفط تجاوز نمو الطلب العالمي التوقعات، ويوجد عديد من المؤشرات الأولية على حدوث هذا ولعل أهمها الزيادة الكبيرة في واردات أكبر مستوردي النفط، حيث تشير البيانات إلى تسجيل الواردات الصينية زيادة سنوية نسبتها 25 في المائة في شباط (فبراير) من عام 2016. ووصل متوسط الواردات الصينية النفطية اليومية إلى نحو ثمانية ملايين برميل في شباط (فبراير)، ولهذا فإن المخاوف حول تراجع نمو الطلب الصيني على النفط آخذة في التلاشي. من جهة أخرى تحاول المصارف المركزية حول العالم تحفيز النمو الاقتصادي، ما سيرفع نمو الطلب على النفط.

لام بعض المنتجين المضاربين على تضخم أسعار النفط في السابق، ولكن عودتهم إلى أسواق تبادل عقود النفط تشير إلى زيادة أمكانية تحسن الأسعار. وازداد في الفترة الأخيرة عدد عقود شراء النفط المستقبلية، بينما تراجع عدد عقود البيع، ما يشير إلى عودة تدفق الأموال المضاربية لعقود النفط. وتظهر المؤشرات الفنية في أسواق تبادل العقود النفطية توقع تحسن الأسعار. من ناحية أخرى تلعب معدلات صرف الدولار دورا في تقلبات أسعار النفط، حيث تشير التطورات التاريخية إلى ترابط عكسي بين معدلات صرف الدولار وأسعار النفط. وسيدعم تراجع معدلات صرف الدولار ـــ في حالة حدوثه - تحسن أسعار النفط خصوصا إذا تباطأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة.

من العوامل المهمة التي تدعم تحسن الأسعار، عودة المنتجين الرئيسيين للتفاوض على تجميد حصص الإنتاج خلال اجتماعهم في قطر اليوم الأحد. وتتوقع الأسواق أن يتخذ المنتجون إجراءات ملموسة للحد من تخمة النفط العالمية. والشيء الوحيد السلبي الذي يمكن أن ينتج عن اجتماع كبار منتجي النفط هو عدم الخروج باتفاق، وهو أمر غير متوقع. وترجح معظم المصادر أن يؤكد كبار المنتجين على الأقل نيتهم تجميد الإنتاج عند المستويات الحالية. وتشير معظم تقديرات إنتاج كبار المنتجين إلى بلوغهم مستويات إنتاج قصوى حاليا، وهذا يعني أن زيادة إنتاجهم في المستقبل القريب محدودة ما عدا إيران التي قد ترفع إنتاجها، لكن هذا الرفع سيقابله تراجع في الإنتاج الأمريكي ونمو أكبر في إجمالي الطلب العالمي.

إن درجة الثقة بتوقعات أسعار النفط منخفضة، لكن لا بد لصناع القرارات من تصور سعر معين لتبني السياسات. ويتوقع جزء كبير من المحليين أن تستقر أسعار النفط حول 50 دولارا للبرميل عند نهاية العام. ويذهب عدد أقل من المختصين إلى أن الأسعار ستتصاعد إلى مستويات أعلى، لكن صعودها بقوة وبسرعة يحمل مخاطر تراجعها مرة أخرى.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.