دور المصارف العربيّة في التنمية الاقتصاديّة
في اجتماع عقده اتحاد المصارف العربية أخيراً، تمحور حول التكامل المصرفي العربي كركيزة لتحقيق التكـــامل الاقتصادي الشامل، أشير إلى النمو الذي يشهده القطاع المصرفي في الدول العربية وبلوغ حجم أصوله أو موجوداته عتبة الـ3,3 تريليون دولار في 2015. وبذلك، تزيد أصول المصارف 32 في المئة عن إجمالي الناتج المحلي للدول العربية، والبالغ 2,5 تريليون دولار. ومع وصول قيمة القروض إلى 1,7 تريليون دولار والودائع إلى 2,1 تريليون دولار، تصل قيمة الأخيرة الى نحو 85 في المئة من حجم الاقتصاد العربي. كما تبيّن أن القطاع المصرفي يلعب دوراً بارزاً في التنمية الاقتصادية العربية.
لا شك في أن القطاع المصرفي في دول عربية كثيرة حقق توسعاً ملحوظاً في العقود الثلاثة الماضية، سواء في حجم الودائع والقروض وعدد الفروع وانتشارها، لا على مستوى الدولة نفسها وإنما في الخارج أيضاً. لكن الحديث عن توسّع الجهاز المصرفي وعن مؤشراته كنقطة ارتكاز، يختلف كثيراً عن الحديث عن دوره في التنمية الاقتصادية.
إن المتتبع لنشوء المصارف التي بدأت في بريطانيا قبل غيرها من دول العالم، يرى أنها أدت دوراً محورياً في تحويلها إلى دولة صناعية متقدمة، حيث واكبت المصارف نشوء الثورة الصناعية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وقامت بدور مهم في تحويل المدخرات والفوائض المالية التي كانت تتحقق في قطاعي الزراعة والتجارة الخارجية لتمويل توسع الإنتاج الصناعي وتكوين رأس المال الثابت، وهو مفهوم أدخلته الثورة الصناعية. وساهم ذلك في انتشار الصناعة وبناء المعامل وانتقال اليد العاملة من الزراعة إلى الصناعة، وإحلال الآلة محل العمل اليدوي في نشاطات زراعية كثيرة. وبذلك، زاد نمو الاقتصاد البريطاني في شكل مضاعف. فمن جهة، ازدهرت الزراعة بفضل ارتفاع معدلات الإنتاجية بعد إدخال المكننة، ومن جهة أخرى بدأت الصناعة تحقق نمواً متزايداً بسبب تحويل الفوائض المالية إلى الاستثمار فيها بدلاً من أن تذهب لتمويل تراكم الذهب أو حيازة مزيد من الأراضي الزراعية من جانب الاقطاعيين. وبعدما انتقلت الثورة الصناعية إلى دول أوروبية أخرى مثل ألمانيا وفرنسا، أدت المصارف دوراً مشابهاً خصوصاً في ألمانيا التي لا تزال فيها المصارف التجارية تمارس دور مصارف الاستثمار. وفي التاريخ الحديث، لا تزال المصارف في الدول المتقدمة تلعب دوراً أساسياً في تعزيز النمو الاقتصادي.
الباحث في دور المصارف في التنمية الاقتصادية للدول العربية، يصطدم بمجموعة من الحقائق. ففي الدول الغنية التي تتمتع بموارد خارجية مثل صادرات النفط، معظم ودائع المصارف هي ودائع حكومية كما هي الحال في العراق، ما قد يشير إلى ضعف ثقة القطاع الخاص بالمصارف كوسيلة لتجميع الادخارات بهدف إعادة استثمارها و/أو التباين الكبير في توزيع الدخل، حيث إن 25 من المواطنين دون خط الفقر.
وفي الدول التي تستقطب فيها المصارف ودائع القطاع الخاص، بخاصة تحويلات المغتربين، يحتجز البنك المركزي نحو 40 في المئة من هذه الودائع في شكل يتجاوز كثيراً نسبة الاحتياط القانوني من أجل الحفاظ على استقرار العملة. وتقترض الحكومة نحو نصف الجزء المتبقي، ويعاد إقراض القطاع الخاص نصفه الآخر. ويذهب الأخير كله تقريباً إلى تمويل قروض شخصية ذات طابع استهلاكي، بينما لا تحصل القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة، إلا على نسب تكاد لا تذكر كما هي الحال في لبنان.
أما فـــي الدول العـــربيــــة، فلا تزال نشاطات المصارف تجـارية بحتة، حيث تهتم في شكل رئيس بتمويل الاستيراد بما فيه البذخي الذي لا يكتفي فقط بتقليص نمو الصناعة والزراعة المحلية فحسب، بل يُعوّد الأفراد على أنماط استهلاكية غير عقلانية. وإذا كان هذا النوع من السلوك يمكن تحقيقه في دول غنية وذات كثافة سكانية قليلة، فهو لا يلائم دولاً عربية أخرى بمواصفات مختلفة.
كما أن نشاطات التنمية الاقتصادية في كل الدول العربية تقريباً ما زالت تمول من الموازنات الحكومية، إذ يعتبر الأفراد النشاطات التنموية نشاطات حكومية. وحتى المصارف المتخصصة التي تقدم قروضاً للقطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة وتشييد المنازل، هي مصارف حكومية تعتمد في مواردها على الموازنات الحكومية لا على ودائع الأفراد وادخاراتهم. فالمصارف العربية الخاصة عموماً، لم تؤدِّ الى حد الآن دور مصارف الاستثمار أيضاً.
ولا تزال نشاطات المصارف في الدول العربية تتركز في العاصمة والمدن الكبيرة، بينما لا تحصل الأرياف والمناطق البعيدة على خدمات كافية.
وأخيراً، عندما يتم الحديث عن دور التكامل المصرفي في خدمة التكامل الاقتصادي العربي الشامل، من المتوقع أن تؤدي فروع المصارف العربية في الدول الأخرى دوراً مهماً في تجميع الادخارات وإعادة توظيفها. لكن هذا الدور غائب في الوقت الحاضر. فأكثر فروع المصارف العربية العاملة في دول عربية أخرى تقتصر نشاطاته على تمويل معاملات قصيرة الأمد كالاستيراد.
هذه الملاحظات محاولة لجذب اهتمام اتحاد المصارف العربية لإعطاء جدية أكبر لدرس المعوقات التي تمنع مشاركة أكثر فاعلية للمصارف العربية في دعم التنمية الاقتصادية وتحقيق الاندماج الاقتصادي الشامل، والاتفاق مع الدول الأعضاء على وضع الحلول المناسبة لمعالجتها.
* نقلا عن صحيفة " الحياة "