.
.
.
.

تصحيح تعرفة المياه

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:

لا يمكن إنكار حقيقتي شح الموارد المائية في المملكة، وتفاقم هذا الشح مع مرور الوقت وتصاعد الاستهلاك. وتستهلك المملكة أكثر من 20 مليار متر مكعب من المياه سنويا يذهب معظمها إلى القطاع الزراعي، بينما يستهلك القطاع البلدي في المملكة نحو ثلاثة مليارات متر مكعب من المياه، تشكل المياه المحلاة 60 في المائة منها. وقد كانت المياه توفر عند أسعار منخفضة لا تغطي إلا جزءا يسيرا من تكلفة توفيرها، حيث كانت التعرفة عشر هللات لأول 50 مترا مكعبا للوحدة السكنية الواحدة في الشهر الواحد، ثم 15 هللة لثاني 50 مترا مكعبا، ثم ريالين للمائة متر التالية، ثم أربعة ريالات للمائة التالية، وستة ريالات لما فوق ذلك. وكانت قيم فواتير المياه متدنية، لأن معظم الوحدات السكنية تستهلك أقل من 100 متر مكعب.

وتضمنت التعرفة الجديدة للمياه خمس شرائح استهلاكية مثل التعرفة القديمة، حيث ظلت تسعيرة شرائح الاستهلاك الأولى والرابعة والخامسة على حالها، بينما رفعت تعرفتا الشريحتين الثانية والثالثة من 15 هللة وريالين إلى ريال واحد وثلاثة ريالات للمتر المكعب على التوالي. وحدث التغيير الكبير في حجم شرائح الاستهلاك، حيث خفضت الشرائح الأربع الأولى من 50 و100 متر مكعب إلى 15 مترا مكعبا في الشهر، كما تزامن خفض الشرائح مع إضافة 50 في المائة إلى خدمات التصريف الصحي. وقد أدى هذا إلى رفع حاد في قيم فواتير المياه، حيث بلغت الزيادة أقصى حدودها عند استهلاك 100 متر مكعب وبنحو 43 ضعفا، بينما تضاعفت الفواتير بمرات أقل لكميات الاستهلاك الأخرى.

لقد كانت تكاليف المياه منخفضة في السابق وكانت هناك حاجة إلى تصحيح الأسعار، لكن عمليات تصحيح أسعار الخدمات الأساسية مثل المياه تحتاج إلى إجراء نقاش عام مسبق مع جميع المتأثرين من تغيير الأسعار بما في ذلك المستهلكون والمنتجون والجهات الرسمية، حيث سيقود النقاش إلى نشر الوعي حول قضية ندرة المياه وأسباب تغيير تكاليفها، وأنماط استهلاكها. وسيقود النقاش كذلك إلى دراسة تكاليف توفير المياه وكفاءة مزودي الخدمة، والبنية الأساسية للمياه، والتقنيات المستخدمة، والأنظمة الحاكمة لقطاع المياه. وسيقود النقاش أيضا إلى تخفيف اللوم عن المستهلك والتعرف على العوامل الأخرى المساهمة في زيادة التكاليف، فقد تكون أجزاء مهمة من زيادة التكاليف بسبب تقنيات الإنتاج، أو انخفاض كفاءة المنتجين، أو الهدر وسوء الإدارة في المؤسسات الإنتاجية، أو المعضلات المتصلة بشبكات التوزيع، أو الأنظمة والتشريعات التي تحكم قطاع المياه.

إن هناك ضرورة قصوى لإصلاح أنظمة الدعم العامة وخصوصا عندما تؤدي إلى هدر موارد البلدان المالية والاقتصادية، ولكن الإصلاح يجب أن يتم بشكل تدريجي لكيلا يحدث صدمات اقتصادية وامتعاض المستهلكين. وقد أدت الزيادة المفاجأة في رسوم المياه إلى تذمر واسع لدى الأسر، حيث قادت إلى رفع تكاليف المياه بشكل كبير. ولهذا فمن الأصوب توزيع إصلاح تسعيرة المياه على عدة سنوات لتمكين المستهلك من التأقلم مع ارتفاع التكاليف وإعطائه الوقت الكافي لترشيد استهلاكه. وتركز تأثير زيادة الأسعار في الوحدات السكنية المستقلة والتي يرتفع فيها الاستهلاك، مقارنة بالمباني متعددة الوحدات، كما ارتفعت التكاليف على الأسر كثيرة العدد مقارنة بالأسر الصغيرة.

وتعاني تسعيرة المياه المبالغة في عدد شرائح الاستهلاك وصغر حجمها، حيث لا توجد حاجة إلى خمس شرائح، وقد يصعب على كثير من المستهلكين فهمها. ويمكن الاكتفاء بشريحتين أو ثلاث أكبر حجما بحيث تكون الشريحة الأولى مدعومة وتغطي الاستهلاك الأساسي لمعظم الأسر الـ "50 مترا الأولى"، وتغطي الشريحة الثانية الـ "50 مترا الثانية" استهلاك معظم المتبقي من الأسر متوسطة الدخل، بينما يرفع الدعم عن الشريحة الثالثة. وأعتقد أن هناك مبالغة في قيمة الشريحة الثالثة التي تبلغ ستة ريالات، التي تدعي شركة المياه أنها تمثل تكاليف توفير المتر المكعب. ويعود جزء من هذه التكلفة إلى الهدر في شبكات التوزيع، وتقادم التقنيات المستخدمة في التحلية، وانخفاض كفاءة مزودي الخدمة. كما أن هناك مبالغة في تعرفة الصرف الصحي التي يمكن أن تخفض إلى أقل نصف تعرفة المياه، حيث تحصل الشركة على مردود من بيع مياه الصرف الصحي، كما أن جزءا كبيرا من استهلاك المياه لا يعود إلى شبكة الصرف الصحي.

وتعاني تعرفة المياه الفروقات الكبيرة في تسعير الشرائح، حيث تصل تكلفة الشريحة الأعلى 60 ضعف الشريحة الأولى المدعومة. ولهذا ينبغي خفض هذه الفروقات من خلال رفع تكاليف الشريحة الأولى إلى ريال واحد مثلا وخفض تكاليف الشريحة الأخيرة إلى أربعة ريالات. وتعتبر تسعيرة الشريحة الأولى الحالية غير منطقية وتشجع على التحايل على زيادة الأسعار، من خلال عمليات الواسطة والمحسوبية لزيادة عدد وحدات الاستهلاك لكل مستهلك. ومن المتوقع ارتفاع أسهم موظفي شركة المياه الوطنية في المجتمع لسعي معظم المستهلكين إلى زيادة عدد الوحدات السكنية للمباني لخفض قيم فواتيرهم. وترافق عمليات إصلاح أسعار الخدمات الأساسية عادة برنامج دعم للشرائح السكانية الفقيرة ومحدودة الدخل، والتي قد ترتفع معاناتها مع رفع أسعار هذه الخدمات. ويمكن استخدام برامج التوظيف والتقاعد والرعاية الاجتماعية في تعويض المحتاجين عن زيادة التكاليف.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.