.
.
.
.

إضراب لعرقلة الإصلاح في الكويت؟

عامر ذياب التميمي

نشر في: آخر تحديث:

بدا إضراب عمال النفط في الكويت أخيراً مظهراً من مظاهر مقاومة الإصلاح الاقتصادي العتيد، الذي تبشر به الحكومة منذ أشهر من دون اتخاذ أي خطوات عملية بارزة. كانت المطالب المطروحة التي رفضتها إدارة مؤسسة البترول الكويتية، مثيرة لاستغراب أطراف عدة في المجتمع الكويتي. فمؤسسة البترول، ومن ورائها الحكومة، لم تكن تعتزم خفض رواتب العاملين في شركات النفط، ولم تطرح إجراء تعديلات جذرية على الرواتب والمخصصات الجزيلة وحتى المبالغ فيها لأولئك العاملين.

أما ما كان على بساط البحث فهو تعديل معدلات زيادة الرواتب وتطبيق نظام جديد للرواتب والأجور لعاملي القطاع العام، في خطة أُسمِيت «البديل الاستراتيجي»، فتتوحد الرواتب والأجور وفق معايير التأهيل العلمي والخبرة المهنية وطبيعة الوظيفة، بما يؤدي إلى إلغاء التمايز بين العاملين في المهن ذاتها في كل القطاعات الحكومية. وهذا النظام الذي كان مقترحاً تطبيقه على العاملين الجدد في قطاع النفط لا ينتقص من رواتب العاملين الحاليين وأجورهم. وأبدت مؤسسة البترول الكويتية رغبتها في تهذيب المزايا الوظيفية الأخرى، ومنها ما يتعلق بالعلاج في الخارج أو عضوية الأندية الصحية أو إقامة المخيمات الترفيهية أو الحصول على تعويضات مقابل نشاطات تدريبية في الخارج وغير ذلك من مزايا.

لا شك في أن الزيادات الكبيرة التي حصل عليها العاملون في قطاع النفط قبل سنوات لا تمكن مضاهاتها بأي زيادات للعاملين في الحكومة والقطاع العام في الكويت أو أي مجموعات عمالية أخرى في منطقة الخليج. ويبدو أن الزيادات في الإيرادات التي نتجت من ارتفاع أسعار النفط خلال السنوات العشر الماضية حفزت سياسيين في البلاد لإرضاء قطاعات واسعة من العاملين في الحكومة والقطاع النفطي. وعندما أصبح لزاماً على الحكومة إنجاز ترشيد في الإنفاق كان لا مناص من التطرق إلى مسألة الرواتب والأجور لأنها تمثل عصب الإهدار في الإنفاق الحكومي.

إن التوظيف في الكويت للعمال المحليين ليس مرتبطاً بمتطلبات واحتياجات وظيفية حقيقية في أي من الدوائر والمؤسسات المملوكة من الدولة. ويظل التوظيف عملية سياسية تستهدف تأمين المداخيل للمواطنين ولا يتعلق باحتياجات تلك الدوائر والمؤسسات للعاملين. وهذا سبب العدد الكبير من العاملين الفائضين عن حاجة المؤسسات الحكومية والبطالة المقنعة في كل مرافق الدولة. بيد أن ترشيد عملية التوظيف الذي يشمل خفضاً للرواتب والأجور أو حتى تعديلاً لهيكل المزايا الإضافية، يثير عاصفة من الاحتجاجات السياسية، فطبيعة النظام السياسي والاجتماعي في بلد مثل الكويت اعتاد مجتمعه على أنماط الاقتصاد الريعي والدعم الجزيل، لا تسهّل أي إصلاحات جذرية في أنظمة التعويضات الوظيفية.

لكن ثمة مسألة مهمة يجب أخذها في الاعتبار عند التعامل مع مسألة الإضراب. تمر الكويت بأوضاع اقتصادية صعبة، مثل باقي بلدان الخليج وغيرها من بلدان منتجة للنفط، نظراً إلى التراجع المهم في أسعار النفط منذ منتصف 2014. وعندما يضرب العاملون في قطاع النفط عن العمل، تتراجع معدلات الإنتاج إلى مستويات متدنية تؤثر في الالتزامات المبرمة مع البلدان المستهلكة وتعطل تزويد محطات الكهرباء وتقطير المياه وعمليات توزيع الوقود المحلية. إذاً، فالإضراب مثّل تهديداً للحياة الاقتصادية في البلاد وكان لا بد من تفاديه.

لحسن حظ الكويت أن نقابات العمال حكمت العقل والمصالح العليا للبلاد وأوقفت الإضراب بعد ثلاثة أيام، وأكدت العزم على التفاوض مع إدارة مؤسسة البترول والحكومة من أجل الوصول إلى صيغة توافقية. ولا بد من أن التوصل إلى ذلك التوافق سيأخذ وقتاً، لكن يُرجَى أن يتواءم ونهج الإصلاح الاقتصادي المطروح من مجلس الوزراء. وغني عن البيان أن الأمر سيعتمد على مدى جدية الحكومة لتحقيق الإصلاح الاقتصادي.

بعيداً من الإضراب في القطاع النفطي، يجب أن نشير إلى أهمية البحث عن أساليب مختلفة للتشغيل واستثمار الأوضاع الاقتصادية الراهنة لتعديل فلسفة الإنفاق العام في البلاد. والأهم من ذلك أن التشغيل يجب أن يعتمد على أهلية العاملين ورفع قدراتهم المهنية وتمكينهم من كسب مهارات فعلية بما يسمح باعتماد سياسة إحلال الكويتيين في الوظائف التي يشغلها الوافدون العاملون في وظائف فنية تتطلب مهارات وخبرات وقدرة على التعامل مع ظروف صعبة في العمل.

ويتطلب الأمر تبني برامج للتدريب والتأهيل وتكييف النظام التعليمي لتأمين مخرجات تتوافق مع متطلبات العمل. وينطبق الأمر على العاملين في دوائر ومؤسسات حكومية عدة، فهناك احتياجات في الهيئات التدريسية والممرضين والممرضات والعاملين في المهن الهندسية المساعدة. والاتكال على الإنفاق الحكومي على مدى العقود الطويلة الماضية وهيمنة الدولة على النشاطات الاقتصادية الأساسية عطلا حماسة المواطنين للارتقاء بقدراتهم المهنية وأبعداهم عن مواقع العمل والإنتاج الحقيقية في البلاد. ولإصلاح هذه الأوضاع يتعين إطلاق عملية تخصيص وارتقاء بالأداء، لكن هل يمكن الحكومة أن تعمل لإنجاز عمليات إصلاح وتصحيح للنظام الاقتصادي متجاوزة كل الاعتراضات والتعطيل السياسية؟

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.