.
.
.
.

المصارف الإيرانية.. التغير المستحيل

زياد محمد الغامدي

نشر في: آخر تحديث:

ينطبق المثل العربي «ما طار طير وارتفع الا وكما طار وقع» على شركات النفط الصخري الامريكي، التي غيرت تاريخ صناعة الطاقة في السنوات الخمس الاخيرة، حيث جعلت من امريكا اكبر منتج للنفط والغاز في العالم وحلت الصين مكان امريكا كأكبر مستورد للنفط في العالم. هذا بالاضافة الى الثورة الكبيرة في انتاج الغاز الطبيعي، الذي بات يهدد كثيراً من شركات الغاز المسال في دول العالم بالخسائر، ناهيك عن التوسعات الكبيرة في الصناعات البتروكيماوية.

اما اليوم فحال هذه الشركات صعب للغاية، افلاسات بالجملة وصرف عمال وبيع اصول لسداد القروض البنكية. ومنذ اوائل 2015م اعلنت 77 شركة زيت صخري عن افلاسها وبحسب مؤسسة ديلويت للاستثمار فإن حوالي 175 شركة حفر حول العالم مهددة بالافلاس. ولهذا فمن المتوقع ان ينخفض انتاج امريكا من الزيت الخام هذا العام بحوالي مليون برميل في اليوم عن مستويات العام الماضي، وهذا سيعزز التوازن بين العرض والطلب في اسواق النفط العالمية ما يعني ارتفاعا في اسعار النفط.

وفي هذا المقام، قال باترك بويانيه رئيس شركة النفط الفرنسية توتال مؤخراً «سنشهد في نهاية هذا العام تحقيق بعض التوازن بين العرض والطلب» اي بمعنى اخر انخفاض للتخمة بالمعروض. لا شك ان انخفاض اعداد حفارات الزيت والغاز بحوالي 80% عن مستويات القمة سيؤدي لا محالة الى خفض الانتاج الامريكي من الزيت والغاز.

ولنا ان نتخيل اوضاع شركات الزيت المتوسطة والصغيرة في امريكا بقراءة متأنية لنتائج الشركات الكبيرة، التي من المفترض ان تكون اقوى وأشد مناعة من الشركات الصغيرة بسبب تنوع استثماراتها وأعمالها بين صناعة انتاج النفط والغاز وتكرير النفط والصناعات البتروكيماوية، التي ترتفع ربحيتها بانخفاض اسعار النفط. ولقد اعلنت شركة اكسون موبيل عملاق الطاقة الامريكي عن انخفاض ارباح الربع الاول من حوالي 5 مليارات دولار في العام الماضي الى 1.8 مليار دولار في هذا الربع، وهذه هى اقل ربحية تحققها اكسون منذ عام 1999م. ولقد حمت اكسون نفسها من تحقيق خسائر بفضل تنوع استثماراتها بين انتاج النفط وتكريره وصناعات البتروكيماويات داخل وخارج الولايات المتحدة، بالاضافة الى حسن ادارتها في قراءة واقع ومستقبل صناعة الطاقة بدقة عالية. واما شيفرون فلقد اعلنت عن خسائر في الربع الاول من هذا العام حوالي 725 مليون دولار مقارنة بربح حوالي 2.6 مليار الربع الاول من العام الماضي، وقد يكون استثمار شيفرون لكثير من المال في مشاريع انتاج وتصدير الغاز المسال في استراليا سبباً في هذه الخسائر نظراً لارتفاع الاستثمار وانخفاض اسعار الغاز المسال الحالية. واما كونوكو فأعلنت في هذا الربع عن خسارة تقدر بحوالي 1.5 مليار دولار مقابل ربح 275 مليون دولار في الربع الاول من العام الماضي. واما اوضاع المستثمرين الصغار فبكل تأكيد لا يشجع الاستمرار بالحفر والتنقيب، فعلى سبيل المثال المستثمر الذي كان يملك ارضاً يوجد بها حوالي 200 بئر كانت تبيع بحوالي 100 الف دولار شهرياً مقابل 40 الف دولار حالياً. وهذا ما سيعجل برحيل صغار المستثمرين وسيخفض الانتاج.

وعلى كل حال، فإن هذا الاداء الكارثي لعمالقة شركات الطاقة الامريكية كان بسبب انخفاض اسعار النفط. والجدير بالذكر ان معدل اسعار النفط كان في الربع الاول من عام 2015م حوالي 48 دولارا مقابل 33 دولارا للربع الاول من العام الحالي وهو انخفاض بحوالي 31%. وانخفضت اسعار الغاز الطبيعي بالولايات المتحدة من معدل 2.9 دولار للمليون وحدة حرارية في الربع الاول من عام 2015م الى حوالي 2 دولار للمليون وحدة في الربع الاول من هذا العام، وهذا انخفاض بحوالي 31%. والغريب في الامر ان اسعار الخام الامريكي واسعار الغاز الطبيعي بمجمع هنري هب انخفضت بالنسبة نفسها 31%. ولكن من اهم ما نخلص اليه في هذه المقارنة انه عندما كانت اسعار النفط عند مستويات 50 دولارا كانت شركات النفط الامريكية تربح ولو قليلاً، وهذا يؤكد ان سعر 50 دولارا هو الحاجز لصناعة النفط غير التقليدي في امريكا.

ولكن لو سجلت معدلات اسعار النفط في الربع الثاني من هذا العام حوالي 48 دولارا للبرميل وهي معدلات الربع الاول نفسه من عام 2015م فهذا يعني ان الاسوأ لصناعة النفط الامريكية غير التقليدية قد انتهى، وقد تعاود الشركات المتعثرة الحفر بغرض تعويض الخسائر. ولكن هل يا ترى حتى لو ارتفعت اسعار النفط فوق حاجز 60 دولاراً للبرميل، هل ستتجرأ الشركات الصغيرة من معاودة المغامرة والاستثمار في صناعة قد تفلس في اية لحظة؟ وهل ستكون البنوك مستعدة لاعطاء قروض لاقامة مشاريع وقد تعلمت من التجربة السابقة والمؤلمة، خاصة عندما انخفضت اسعار الخام الامريكي الى اقل من 30 دولارا. الاكيد ان التجربة السابقة لن تتكرر بالحجم والاندفاع نفسه فقد تعلموا الدرس.

الحقيقة ان سياسة اوبك بعدم خفض انتاجها لاتاحة الفرصة للزيت الصخري لمنافستها قد اثبتت نجاعتها رغم الالام التي تحملتها دول اوبك. فلقد كانت بدايات صناعة الزيت الصخري مخيفة لكل منتجي الزيت التقليدي وبدون استثناء وحتى دول خارج اوبك مثل روسيا. فلقد استطاع الامريكيون في اخر خمس سنوات اضافة ما معدله مليون برميل باليوم لكل عام. ولو استمرت الثورة الامريكية في انتاج الزيت الصخري بالمستويات نفسها لاصبحت امريكا مكتفية ذاتياً ولاستغنت نهائياً عن نفط اوبك، وهذا ما سيزيد من تخمة المعروض. لا بل الادهى ان الحكومة الامريكية قد سمحت لشركات النفط الامريكية بتصدير نفطها الى خارج امريكا الشمالية وهو ما سيدخل دول اوبك في حسابات جديدة بين روسيا وامريكا. ولذلك فيمكن القول ان ما حصل في يناير من العام الحالي وتسجيل قاع سعري لم تشهده الاسواق منذ عدة سنوات قد خلق حاجزاً نفسياً لا ينسى يضاف الى مخاطر الاستثمار في الزيت الصخري.

وفي الختام يحق لكل دولة ان تحمي مصالحها بالطرق المشروعة، لذلك فإن عدم خفض دول اوبك لانتاجها كان قراراً طبيعياً ومتوقعاً. ويمكن تشبيه ذلك بالغاز الصخري الامريكي المسال، الذي بدأ يصل الى اوروبا لمنافسة الغاز الروسي التقليدي. وهنا لنا ان نتساءل: هل ستقوم روسيا اكبر مصدر للغاز التقليدي بالعالم لأوروبا بخفض انتاجها للغاز لاتاحة الفرصة للغاز الصخري الامريكي بأخذ جزء من حصتها السوقية؟. بكل تأكيد ستقوم روسيا بعمل كل شيء لحماية صادراتها من الغاز الطبيعي لاوروبا من منافسة الغاز الصخري. وقد نشهد رفعا لانتاج روسيا من الغاز وتخفيضا للاسعار حتى يتم القضاء نهائيا على منافسة الغاز القادم من امريكا، كما تم القضاء على خط غاز نوبوكو الذي كان يخطط الاوروبيون لجلب الغاز من اسيا الوسطى من خلاله للقضاء على احتكار روسيا لصادرات الغاز الى اوروبا.

*نقلاً عن "اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.