.
.
.
.

القرار الاقتصادي: بين الصعب والكلي

فواز بن حمد الفواز

نشر في: آخر تحديث:

تواجه المملكة تحديات مختلفة تتطلب قرارات متنوعة الطبيعة. تحديات المملكة تنموية وبالتالي تتطلب قرارات بعيدة المدى وذات طبيعة كلية، وتواجه أيضا تحديات اقتصادية تتطلب قرارات قصيرة الأجل ولكنها غالبا صعبة. هناك علاقة غير تقليدية بين النوعين تتموضع في الحاجة لمتابعة وتعديل وتسخير تصرفات المشاركين في التغيير الاقتصادي. يمكن تأويل كل قرار إما أنه صعب أو كلي أو بينهما، وحتى قرارات الطابع البشري تجد لها تأويلا إما كليا أو صعبا أو بينهما. أحيانا هناك مقاومة لتفادي أخذ قرار ولكن عدم أخذ قرار لاستمرار المعتاد قرار أيضا. في المملكة قرارات كثيرة في الآونة الأخيرة ولكن أغلب هذه القرارات ذات طابع كلي وليست من النوع الصعب. القرار الكلي يوفر حماية نفسية ودرجة مريحة من التنظير، بينما القرار الصعب يتضمن صعوبات وأحيانا مخاطر. هناك فرق نوعي وكمي بين القرار الكلي والقرار الصعب.

القرار الكلي عام ويطمح إلى تغيير شامل وغالبا يتعامل مع الهياكل الإدارية ولكن في الغالب لا يطمح إلى تغيير أنماط تصرفات الناس أو الشركات أو حتى التكاليف الإجمالية وإنما إعادة ترتيب التكاليف والتصرفات لكي تكون في وئام مع الإطار الجديد إداريا أو الرغبات الجديدة. حسابات الربح والخسارة في القرار الكلي غالبا لا تتغير كثيرا. القرار الصعب هو القرار النافذ الذي يغير أنماط التصرفات ويقلب المعادلة الاقتصادية ويعيد حسابات الربح والخسارة وحتى آفاق وأنواع الكسب في المجتمع. القرار الكلي عادة يأتي على شكل خطة طويلة الأجل ويصدر عن لجنة ودراسات كثيرة وبالتالي التبعات والمساءلة، والمساءلة قد لا تكون دقيقة، بينما القرار الصعب غالبا يصدر من مسؤول محدد بعد حسابات دقيقة ولذلك يتضمن تبعات ومساءلة مختلفة. القرار الكلي فضفاض يلمس الجميع ولكن تأثيره خفيف وغير محسوس، بينما القرار الصعب نافذ ومحدد ويمكن قياس تأثيره، وتأثيره غالبا قوي في فئة معينة لتغيير التوازن في المجتمع بما يخدم المصلحة العامة. المصلحة من القرار الكلي محددة ولكن التكلفة عامة، بينما المصلحة من القرار الصعب عامة والتكلفة محددة. أحيانا هناك تطابق ولكن في الغالب يسهل التفريق بينهما.

ADVERTISING

inRead invented by Teads

الأمثلة على القرارات الكلية كثيرة منها الخطط الخمسية وقرارات التوطين وجزئيتها مثل نظام نطاقات والبرامج المختلفة في سوق العمل. هناك أمثلة أخرى في برامج إصلاح التعليم والإسكان والحوكمة والاستثمار الأجنبي المباشر وتنمية الشركات المتوسطة والصغيرة أو حتى الميزانية العامة دون ربط وثيق مع الاستثمارات أو الحالة النفطية، ما يجمع هذه القرارات أنها تبدو شامخة وطموحة ولكنها ليست نافذة أو دقيقة. الأمثلة على القرارات الصعبة كثيرة أيضا مثل تقليص الاستقدام بنسبة 5 في المائة أو 10 في المائة سنويا وتحمل التكاليف لهدف أسمى، أو رسم على الأراضي بنسبة مقبولة على الجميع و في كل مكان لكي تقل تكلفة تنفيذ القرار، مثال آخر إن تحدد الحكومة أن أفضل 40 ــ 45 في المائة من خريجي الثانوية العامة يقبلون في الجامعات فقط، ومثال آخر استثمار محدد من ناحية العوائد والمخاطر والقيمة المضافة التي تصب في تعظيم الميزة النسبية للاقتصاد، هناك أيضا قرارات في المنظومة الاجتماعية تعود بمصالح اقتصادية على البلد، مثال وقف الاستعانة بالاستشارات الأجنبية لمدة أربع أو خمس سنوات لحين استيعاب ما تلقينا من نصائح ودراسات. من الواضح أن هناك مساحات مشتركة بين النوعين من القرارات، ولكن التعويل على هذه الجزئية قد يكون مهربا للبعض.

اقتصار القرارات اللازمة لإدارة المجتمع على نوع واحد من القرارات غير ممكن حيث إن إدارة المجتمع تتطلب أكثر من نوع وما بينها في فترات مختلفة ولأغراض مختلفة. التعويل على قرارات كلية في مجتمع أفقي ـــ بمعنى سيطرة النظرة التوزيعية على منهج الإدارة العامة يحمل مخاطر كبيرة ومجرد وسيلة لتفادي أي قرار صعب. لعل الأنسب في هذه المرحلة أن نقلل القرارات الكلية ونعمل على قرارات صعبة وقليلة ونكون مستعدين للصبر على انتظار تأثيراتها الطويلة الأجل. نحن في حاجة إلى تقبل القرارات الصعبة وانتظار تأثير الدواء الناجع. الأمثل ألا تكون فجوات بين القرار الكلي والقرار الصعب وهذا يكون كلما كان هناك مواءمة وتوافق بين النظرة البعيدة والمحركات المهمة في المجتمع عامة وخاصة في الميدان الاقتصادي. الفجوات تنبع حين تأتي التوصيات والنصائح من غير المواطنين. المحركات الاقتصادية تتأثر بالقرارات الصعبة أكثر منها في الكلية.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.