.
.
.
.

تمويل إسلامي لإعمار ما هدمته الحروب

عدنان كريمة

نشر في: آخر تحديث:

تُقدَّر كلفة إعمار أربعة بلدان عربية خربتها أحداث أمنية وعمليات عسكرية بنحو 600 بليون دولار، نصفها لإعمار سورية، والنصف الثاني لإعمار العراق وليبيا واليمن، وبمعدل متوسط يساوي 100 بليون دولار لكل بلد. لكن هذه الأرقام مرشحة للارتفاع مع استمرار الحروب واتساع الدمار. وبدأت مؤسسات التمويل الدولية تهتم جدياً بدراسة إمكانات تمويل الإعمار وتحديد مصادر هذا التمويل في ضوء استعداد عدد كبير من الشركات العالمية فضلاً عن شركات عربية خليجية، للدخول في ورشة تنفيذ المشاريع المطلوب تمويلها.

وإذ أبدت شركات استعدادها للمساهمة في تمويل مشاريع معينة وفق إمكاناتها المالية، فهي تنتظر دراسات مؤسسات التمويل الدولية التي ستحدد القنوات المتاحة لتأمين المال، وشروطها واتجاهاتها، في ضوء التطورات الأمنية والسياسية في المنطقة، مع الأخذ في الاعتبار تطور الأوضاع الاقتصادية إقليمياً ودولياً، بعد تراجع أسعار النفط وانخفاض عائداته للدول المنتجة، وأشار تقرير لصندوق النقد الدولي بعنوان «آفاق النمو في دول مجلس التعاون الخليجي» إلى ان عائدات الصادرات النفطية انخفضت 390 بليون دولار عام 2015، أي ما يعادل 17 في المئة من الناتج المحلي للمنطقة العربية، متوقعاً وصول العجز التراكمي للمالية العامة في دول المجلس إلى 900 بليون دولار بين 2016 و2017.

لا شك في أن تباطؤ الاقتصاد العالمي وعدم الاستقرار السياسي وتراجع أسعار النفط وانخفاض قيم العملات وأسعار الأسهم، كلها انعكست سلباً على تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم، إذ تراجعت قيمة المشاريع الاستثمارية (وفق تقرير ملتقى الاستثمار السنوي) بنسبة 7.4 في المئة إلى 11900 مشروع بقيمة 656 بليون دولار عام 2015، مقارنة بـ 12900 مشروع بقيمة 713 بليون دولار عام 2014. وتعود الأسباب إلى هشاشة الاقتصاد العالمي وارتياب المستثمرين في السياسات واشتداد «الأخطار الجيوسياسية».

لكن انطلاقاً من نظرة تفاؤلية، توقع تقرير صندوق النقد أن تشهد السنوات المقبلة تحسناً ملحوظاً في حجم تدفقات الاستثمار العالمي البالغ نحو 1.37 تريليون دولار، وينتظر أن يواصل نموه في العام الحالي إلى 1.48 تريليون دولار، مع الأخذ في الاعتبار وجود استثمارات متوقعة في مناطق جديدة من العالم خلال المرحلة المقبلة.

من هنا تبرز أهمية المنطقة العربية للاستثمار العالمي، وفق دراسة أعدتها «أونكتاد» عن توقعات الاستثمار الأجنبي المباشر بين عامي 2015 و2017 وشملت أكثر من ألف من أبرز المديرين في الشركات في 89 دولة. وأفادت الدراسة بأن «منطقة أفريقيا والشرق الأوسط من أكثر المناطق تفاؤلاً بزيادة النشاط الاستثماري»، متوقعة أن تشهد المنطقة نمواً في نشاط الاستثمار الأجنبي خلال السنوات المقبلة.

تحصل كل هذه التطورات فيما يتجه الاقتصاد العالمي نحو أزمة مالية عالمية ثانية بعد أكثر من سبع سنوات على الأزمة المالية الأولى في 2008، وتأتي خطورة الأزمة الجديدة المرتقبة، وسط تفاقم مشكلات ناتجة عن فشل السياسة النقدية والمالية في كل أنحاء العالم، وبروز علامات تباطؤ الربح والنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، وعثرات تواجه الدول الكبرى والناشئة، بدءاً بانهيارات أسعار النفط والسلع والمعادن، مروراً بتباطؤ النمو في الصين، الاقتصاد الثاني الأكبر في العالم. وتعاني روسيا مشكلة اقتصادية هيكلية بسبب استنزاف عائداتها النفطية، فيما يشهد الاقتصاد الياباني تراجعاً مستمراً في معدلات النمو وسط انكماش مستوى المعيشة.

في المقابل، تبرز أهمية تطور الاقتصاد الإسلامي ودوره في الاقتصاد العالمي، خصوصاً مع توقع المراقبين أن تشهد المرحلة المقبلة نشاطاً مالياً تشكل فيه الاستثمارات الإسلامية الركن الأساس لنشاط الاقتصاد العالمي.

وأثبتت نتائج الأزمات المالية والاقتصادية المتتالية، أن صناعات الاقتصاد الإسلامي أكثر قوة من الصناعات التقليدية، خصوصاً مع تطور أدوات التمويل وزيادة عدد المسلمين الذي يزيد عن ربع سكان العالم، ويبلغ حالياً نحو 1.7 بليون شخص، ويتوقع أن يصل إلى 2.2 بليون بحلول 2030. وتشير التقديرات إلى أن من أصل 25 بلداً هي الأكثر نمواً في العالم، تتمتع 10 بلدان بغالبية مسلمة، وتزيد قيمة الناتج المحلي الإجمالي لدول منظمة التعاون الإسلامي (57 دولة) عن 6.7 تريليون دولار.

ويؤكد صندوق النقد أن معدل نمو الاقتصادات التقليدية بين عامي 2015 و2019 سيصل إلى 3.6 في المئة، في حين أن النمو القوي المتوقع أن تسجله اقتصادات دول المنظمة الإسلامية يصل إلى 5.4 في المئة، ليصبح حجم الاقتصاد الإسلامي العالمي نحو 3.75 تريليون دولار ويدل على أنه يسير بخطى واثقة ومتسارعة نحو ذروة نموه وازدهاره. لكن على رغم كل هذه التطورات الإيجابية، لن يكون الاقتصاد الإسلامي بديلاً من الاقتصاد العالمي، بل مكملاً له ومساهماً في دعم مسيرته الإنمائية.

لذلك تتم حالياً عمليات تنسيق بين مؤسسات التمويل الدولية ممثلة بالبنك الدولي ومؤسسات التمويل الإسلامية ممثلة ببنك التنمية الإسلامي ومقره الرئيس جدة في السعودية، لإصدار سندات مالية لمساعدة اللاجئين المشردين ودعم عمليات الإعمار في المنطقة التي تمزقها الحروب، وتشمل سورية والعراق وليبيا واليمن.

وتشير الدراسات إلى توجه عالمي ونمو حقيقي في الصكوك السيادية وأدوات التمويل الإسلامي التي يبلغ حجمها عالمياً نحو 1.8 تريليون دولار، ومرشحة لتتضاعف 75 في المئة خلال السنوات الخمس المقبلة، خصوصاً مع توقع ارتفاع حجم إنفاق المسلمين من 1.8 تريليون دولار عام 2014 إلى 2.6 تريليون دولار عام 2019، عبر كل قطاعات الاقتصاد الإسلامي. ومع وفرة الثروات والأصول الإسلامية، تحظى الصكوك السيادية باهتمام متزايد من المستثمرين الباحثين عن عائدات ثابتة بأقل الأخطار في المدى الطويل.

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.