.
.
.
.

«سرطان» الاقتصاد

محمد كركوتي

نشر في: آخر تحديث:

"محاربة الفساد، لا تتعلق فقط بحكم راشد، بل بالدفاع عن النفس أيضا"

جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي

على الرغم من أهمية القمة العالمية لمكافحة الفساد التي عقدت في لندن منتصف أيار (مايو)، إلا أنها لم تقدم حلولا ناجعة. قامت بتوصيف هذه الآفة الخطيرة، وقدمت سلسلة من المشاريع التي تدخل ضمن بند "يجب تطبيقها"، غير أن آليات التطبيق ليست متوافرة بما يكفي لإعلان الانتصار على الفساد في المرحلة المقبلة. هناك اعتراف حتى بين الفاسدين بوجود الفساد! وهذا الاعتراف معروف للجميع. بمعنى، أنه ليس بحاجة لمن يتحدث عنه، ويقوم بطرح أشكاله وآثاره. ما يهم العالم الآن أن تكون هناك حرب حقيقية، مشابهة لتلك التي أُطلقت على المخدرات في ثمانينيات القرن الماضي، وحققت وقتها بالفعل نتائج عملية، وإن كانت لم تحقق النصر الكامل. بدليل أن تجارة المخدرات تدخل الآن في صلب اقتصاد عالمي مواز للاقتصاد الشرعي.

هذا ليس تقليلا من قمة لندن لمكافحة الفساد. هناك عشرات من القادة الصادقين فعلا للوصول إلى حالة مرضية في مكافحة الفساد. لكن الأمر يحتاج لأكثر من الصدق وصفاء النيات. نحن أمام وباء لا ينال فقط من البلدان المختلفة، بل يستشري بصور مختلفة في البلدان الراشدة نفسها. هل يعقل (مثلا)، مشاركة مسؤولين من بلدان مختلفة معروفين لدى الجميع بأنهم على رأس قائمة الفاسدين في العالم في قمة مكافحة الفساد؟! كان بإمكان المنظمين أن ينطلقوا من هذه النقطة، بمنع هؤلاء من المشاركة، أو على الأقل أن يحصلوا منهم على التزامات مكتوبة يشهد عليها المشاركون في القمة بالتخلص من الفساد في بلدانهم، أو التقليل من مستوياته. صحيح أن هناك اعتبارات تتعلق "بالسيادة" في هذا المجال، لكن الصحيح أيضا أن منبر القمة كان فرصة أيضا لكسر بعض الاعتبارات، لتحقيق هدف يساعد في الحشد ضد الفساد.

أرقام الفساد باتت شبه موثقة ومعلنة لمن يرغب في الاطلاع. إنه (أي الفساد) ببساطة يكبد العالم أكثر من ثلاثة تريليونات دولار سنويا، وهو أيضا يرفع تكاليف المشاريع التنموية وتلك المرتبطة بالبنية التحتية 15 في المائة! والفساد، يضيف ديونا جديدة في بلدان تعيش في الواقع على المديونية، ويؤثر سلبا في الخدمات العامة، ولاسيما تلك الأساسية، من صحة وتعليم وغير ذلك. إنه "سرطان اقتصادي" لا يبدو أنه قابل للعلاج، بل للاستئصال. و"الأطباء" المتوافرون لا يملكون الآن الأدوات اللازمة لعمليات الاستئصال هذه. مع ضرورة التأكيد، على أن أي خطوة إلى الأمام في هذا المجال، لن تتم، إذا لم تُتخذ إجراءات واقعية تجاه الحكومات الفاسدة. لا يمكن أن تشارك هذه الحكومات (مثلا) في الحرب على الفساد، لأنها في الواقع ستحارب نفسها.

يقول مارتن سكورسي المخرج والمنتج السينمائي الأمريكي المعروف "لا يمكن فصل جريمة الفساد عن الفساد السياسي. إنهما مترابطان". وهما كذلك بالفعل. لننظر إلى تداخل عصابات الفساد في كثير من البلدان مع المسؤولين فيها. وهذا لا ينحصر على الساحة في الدول غير الديمقراطية فقط. عانت إيطاليا "على سبيل المثال" لعقود طويلة من هذا التداخل المروع. وحتى اليوم، وبعد انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، تشهد بعض بلدان أوروبا الشرقية حراكا فاسدا تاريخيا. صحيح أنه تراجع بحكم العلاقة الاقتصادية المباشرة مع بلدان الاتحاد، لكنه لا يزال موجودا باعتراف مسؤولين في المفوضية الأوروبية نفسها. أي أن الفساد عالمي بانتماءات سياسية مختلفة، وإن كان في أسوأ حالاته في بلدان غير راشدة لم تختبر بعد النظام الديمقراطي.

هناك كثير من الخطوات التي ينبغي أن تتم في المرحلة المقبلة، لكي تبدأ الحرب الحقيقية على الفساد، في مقدمتها الإسراع في وضع كل المصارف الكبرى والمتوسطة تحت المجهر. فلهذه المصارف دور أساس في "مأسسة" الفساد، عن طريق توفير المسارات المالية له، والغطاء الشرعي أيضا. والقوانين السابقة للدول الغربية الخاصة بالمصارف، ساعدت في تسهيل الأعمال المالية المشينة على مدى عقود. مع ضرورة التأكيد أنها تحركت في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، من أجل أن تحد من سرية المصارف والمؤسسات المالية. هذا جيد جدا، بل كان مطلوبا منذ منتصف القرن الماضي، غير أنه لا تزال هناك ثغرات في هذا المجال لم تستطع الحكومات الغربية من سدها.

لا أحد يمكنه التقليل من الجهود المبذولة حاليا في مكافحة الفساد، كما أنه لا يمكن الحد من آثار القمة العالمية المشار إليها. كلها جهود ضرورية مطلوبة. ويبقى الأهم في هذا كله، أن تكون هناك قوانين وقرارات واضحة يمكن توفير الغطاء العالمي لها، لكي تنطلق الحرب الموعودة بقوة توازي مستوى الخراب الذي يخلفه الفساد بكل أشكاله. خصوصا إذا ما عرفنا أن أموال المساعدات والدعم وتلك التي ترصد للتنمية، ينال منها الفساد، وليس فقط الأموال المحلية في هذا البلد أو ذاك ولاسيما تلك المنضوية ضمن إطار البلدان النامية. أحد الأمريكيين قال ساخرا عن المساعدات التي تقدمها البلدان الغنية إلى الفقيرة "إنها أموال تأخذها البلدان الغنية من فقرائها، لتقدمها إلى أغنياء البلدان الفقيرة".

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.